facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المسار المجهول في مملكة أدوم


عبدالرحيم العرجان
08-05-2022 12:27 PM

مسالك ودروب كثر لا يعلمها إلا الحادق من أهل المكان، سليلُ أجداد العرب الاقحاح، الذين يتحدثون بلغة لسانهم، وفطرة التكيّف مع المكان وتفسير معانيه.

ضمن محمية ضانا المتربعة على أرض مملكة أدوم التاريخية، حيث كان المسار لموقعٍ جديد لا يعلمه إلا ندرة من الباحثين وأهل القادسية وضانا، وهم من أشاروا علينا بالنضيحة للذهاب إليه، فكما وصفوا سحره الفطري الذي ما زال بعيد عن معالم الحضارة، إضافة لذكر سبب تسميته الغريبة "شقوق بقر" مع استحالة وصول البقر إليه وذلك بسبب صعوبة تضاريسه ووعورتها.

بدأ المسار قرب مركز شباب القادسية، بمنطقة النواطف ذات القباب الصخرية، فقد كان مقصدنا للغرب منه بشكل مباشر تماماً، ولكن يتطلب ذلك المسير للجنوب والالتفاف إليه حسب درب الأمان في الطريق، البالغ مسافته 9كم بعد اجتياز سلسلة متتالية من التضاريس بين صعود وهبوط، ولن ننسى أننا كنا في نهاية الشهر الفضيل رمضان، مودعين آخر ايامه العظيمة.

أما بالنسبة لطريقنا، فقد كان معظمه ورثة المكان عن أسلافنا الأدوميين، حيث مهد بشق صخوره وبناء جدرانه الاستنادية، ورصف بعض مراحله ضمن مملكتهم، وأمر حكامهم عبر ما يزيد عن ألفيّ وخمسمائة عام من الرخاء، فقد كان الملك في ذلك الوقت هو حدد بن بدد، إلا أنه بعد وقت قليل جاء كل من أجدادنا وأهل البادية ليأخذوا الحصة الكبرى في الحكم، وبين هذه الصخورالحمراء المشبعة بخام الحديد "الهميتايت" التي امتدت بعيداً بين الصخور وجذور أشجار العرعر الفنيقي، المتمسكة بتراب الأرض القليل ومثله الطرفا والشيح والسلا والبلان.

أخذنا الدرب للسهل، الذي يمتد من فوق الهضاب والذي عادة يأخذ رعاة الماشية قسطٍ من الراحة فيه، بالقرب بئر ماء يغذى بقنوات قد شُقت قديماً لجمع ماء المساء، وأطلال المباني التي تشرف على ضانا ووادي فينان، بموقع متوسط بين العاصمة بصيرا و خربة النحاس، ومن مساحتها الواسعة ومرافقها المتعددة قد تكوّن مقر للملك يوباب بن زارح أو رام أو قوس جابري أو معابد الآلهة بعل وأيل حين كانت الوثنية تعتمد لكل غاية إله للحرب والزراعة وغيرها، وكما أخبرنا مستضيفنا أننا بموقع يسمى "إخراقة" ومقابلنا جبل "اللقلوق".

وبعد اجتياز السهل اتجهنا هبوطا نحو غايتنا "شقوق بقر" عبر الأدراج والمنحدرات، التي هذبتها أزاميلٍ أدومية، والجدران والمساطب التي بنيت بحنكة على جنبات الطريق الضيق، والذي أصبح جنة طبيعية كاملة العذرية بكل معنى الكلمة، وموطناً لنوادر النباتات والطيور، التي أفضت علينا لمساحة واسعة محاطة بشاهقات الجبال من كل الجوانب، لنقيم مخيم ليلتنا هناك بين ما نبت من طرفا ومرار ورتم، موزعين بيننا مهام تجهيز إقامتنا مسرعين لاقتناص ساعة الغروب، حيث كان موعد إفطارنا على المطل بين سلاسل لا تنتهي مع الأفق، ومن جهة الجنوب، فقد كان الجبل الذي مررنا يوماً إليه من خلال مسارنا "خشم اسماعيل".

وبعد سهر وتبادل الأحاديث الشيقة حول تاريخ المكان الذي تعاقب النفوذ عليه من حكم الأشوري 734 ق.م للولاء البابلي 587 ق.م والنفوذ الفارسي 539 ق.م حتى الرخاء بالتحالف العربي النبطي، كنا على موعد بمتابعة سلسلة من زخات شهب النسريات، التي تعد مصدر الغبار المتطاير الناجم عن مرور المذنب ثاتشر والذي يصادف موعده بداية الثلث الأخير لشهر نيسان من كل عام، وانعزال المكان وبعده عن أضواء المدينة حيث ساعدنا أن نراها بكل وضوح.

أما يقضة الصباح فلها روعة أخرى بأصوات الطيوار، وتردد صداها والعودة إلى المطل ذو ارتفاع "1196م" وكيف ضباب الربيع يملىء الوادي المرتكز بالسكون بين شقوق الجبال، أما بالصدفةِ وجدنا جلد أفعى قد جف بين الصخور، وكما هو متعارفٍ عليه أنه من غير الضروريّ أن تكون كل أفعى سامة، ولكن يتوجب الحذر، حيث من أشهر أنواعها أصالة الدساس والحنيش القزم، ويكثر بين النباتات الأرضية، والمبرقشة المعروفة بتواجدها في الأماكن الرطبة والسف الأخضر السريع، الذي يهرب إن شعر بالخطر، أما أفعى القط السينائي الغير سام، فتنفخ رأسها لإخافة فريستها على عكس الإسود، الخيث شديد السمية والذي يؤثر على الخلايا مباشرة، ومعظمها محمي ضمن الاتفاقية الدولية لتنظيم الاتجار بالأنواع المهددة بالإنقراض "السايتس" أو حضر صيدها بمقتضى القانون، ولتحاشي خطرها يتوجب الجلوس أو التخيم في المساحات المفتوحة الخالية من الجحور، بعيداً عن النباتات وتراكمات الصخور والحجارة، كونها تكون مقصداً لتواجدها وطلباً للرطوبة والظل، ومنها ما ينشط ساعات الليل، ويفضل وضع عبوات الطعام التي تم فتحها بعيداً عن المخيم أو إحراقها في النار، وغسل الأيدي جيداً بعد الأكل كي لا تشتم رائحتها فتأتي إليها وهو من السنة المؤكدة.

وقبل أن ترتفع حرارة النهار، حزمنا أمتعتنا لنعود لنقطة البداية، وهكذا قد أتممنا 15 كم بمستوى متوسط الصعوبة، والتي كانت حاجتنا فيه هو حمل كلاً منا 12 كم، شاملة معداتنا ومؤونتنا، حيث من ضمنها الخيمة وكيس النوم، ولا بد كالعادة من زيارة مركز زوار المحمية بقرية ضانا التراثية لشراء بعض الاحتياجات من إنتاج نساء البلدة ولقاء أصدقائنا هناك.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :