facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




84 ساعة في اللويبدة


نور الدين نديم
17-09-2022 04:33 PM

لمنطقة اللويبدة في العاصمة عمّان نكهة خاصة تذوقها كل من زارها، فكيف بمن أقام فيها، فهي تنبض بكثير من الحياة بطابع فسيفسائي جميل، ممزوج بالثقافة والفن والفكر والسياسة..

شوارعها تفيض برائحة الياسمين وبيوتها تثير فيك الحنين، وهدوؤها فيه ضوضاء جميلة تنعش الذاكرة وتجذبك نحو ذاتك حباً واحتراماً.

كعادتها كانت تعيش اللويبدة فرحها بطريقتها الخاصة، فمِن على دوار باريس البازار يعج بزواره وتزدحم الجلسات من على أطرافه، وبين ثنايا شوارعها جلسات المقاهي والمطاعم يعلو منها أصوات الضحكات تارةً ونقاشات تحتد قليلاً ثم ما تلبث أن تقاطعها مداعباتٍ تلطّف الأجواء فتعلو الابتسامة على الوجوه تارةً أخرى.

لم يتوقع أحد في تلك اللحظة حزناً بهذا الحجم، وكيف لهذا القلب الجامع للفرح والمحبة أن يحزن، وإذ بصرخات تتعالى بالإستغاثة، إنها قريبة جداً، سبقها صوت رهيب وكأنه انفجار مدوي، فتراكض الجميع فزعاً، وإذا بعمارة من أربعة طوابق سقطت بلحظة ومن غير سابق إنذار على من فيها، وعلى بيتٍ يقع خلفها، ليتحوّل هذا القلب النابض بالحياة إلى وجع لن يمحوه تقادم الزمان، يتبعثر في زوايا النظر كتاب مدرسي هنا ولعبة طفل هناك، وبقايا من بقايا أثاثٍ، هذه قطعة من جهاز تلفاز وهذه نظارة قراءة لعجوز، وتختلط الحواس مع الغبار المتصاعد والركام المتناثر بأصوات أنينٍ قريبة بعيدة، وكثيرٍ من الصدمة والذهول وعجز لحظيٌّ عن الفعل، ما يلبث أن يتمالك الحضور ثباتهم وسط كل هذا الانهيار، حتى قدوم فرق الانقاذ والأجهزة المختصة، لتُفرغ مكان الكارثة من تزاحم المتطوعين، وتجهز للعمل بأسرع وقت، فننظر في وجوههم فلا نرى فيهم موظفاً أو عاملاً، بل نرى قلباً نابضاً وأباً حنوناً وإنفعالاً حدّ الإجهاش بالبكاء، يتحوّل الى طاقة عملٍ منقطعة النظير.

هنا ناجٍ، وهنا وفاة، وتختلط الدموع أملاً تارةً وحزناً أخرى، حتى تمكن مجموعهم من إخلاء المفقود الأخير من المحاصرين تحت الأنقاض بعد 84 ساعة عمل مرّت وكأنها 84 سنة، ولتعلن مديرية الأمن العام مشكورةً الانتهاء رسميّاً من عمليات البحث، لتكون حصيلة ماتم انتشاله هو 14حالة وفاة و10 إصابات.

رحم الله من فقدنا من ضحايا وشافى المصابين وربط على قلوب أهاليهم وقلوبنا جميعا وأعظم الله أجرك ياوطن.

وهنا دعونا نقف مع أنفسنا قليلاً ونحدث ذواتنا ونتساءل كيف لنا أن لا نعيش هذه المأساة مرةً أخرى؟ ومن يتحمل مسؤولية التعامل مع العديد من المباني المتهالكة المزروعة بيننا كقنابل موقوته؟

بنايات كثيرة مأهولة بالسكان وسط أحياء متزاحمة تقف على طبقات طينية أو انتهى عمر احتمال أساسها الافتراضي فتصدّعت جدرانها واهترأت عمدانها، حتى آلت للسقوط، ولضيق ذات اليد ولعدم توفر البديل لا يمانع ساكنوها من المغامرة والمقامرة بحياتهم بالبقاء فيها لعدم توفر خيار آخر سوى الشارع والخلاء.

فكيف لنا أن لا نترك أنفسنا تحت رحمة المفاجأة والأحداث الخارجة عن إرادتنا، وكيف لنا أن نبادر باتخاذ قرارات قد تكون قاسية لكنها تحمي الجميع وتحافظ على الأرواح، مع الاحتفاظ بمرونة تحفظ للقرارات انسانيتها ولا تسلب القوانين حين تنفيذها روحها المستترة بين ثنايا نصوصها.

وبعيداً عن تبادل التنصل -الحاصل الآن- من المسؤولية عمّا جرى وتبادل الاتهام فلست هنا بصدد التحقيق أو إصدار الأحكام، ولكنّي هنا للمساهمة في قرع الجرس لمنع بلاءٍ آخر قبل وقوعه.

فمسألة التعويض وجبر الضرر والتكفل بنفقات علاج ومعاش المتضررين من انهيار عمارة اللويبدة أمر مفروغ منه ومسؤوليته تقع على عاتق الدولة أولاً، كما هي المسؤولية الأخلاقية والمجتمعية مفروغ منها وواجبة على جميع الشركات والمصانع والبنوك والمؤسسات، لكن مسؤولية التدخل المبكر والوقائي وتدارك الكارثة قبل وقوعها وهو الأهم فيحتاج من أمانة عمان والبلديات إجراء مسح شامل وإجراء اختبارات والتنسيق مع الحكومة لإيجاد بدائل للمواطنين، ومتابعة كل مقصر في أمن وسلامة المواطن ومحاسبته من قبل الأجهزة المختصة، فلا ننتظر سقوط مساكنهم فوق رؤوسهم حتى نتدافع وقتها لتأمين مسكن للناجين منهم.

قديماً قال أحدهم: كان أبوي يجبرها إذا إنكسرت.
فرد عليه الآخر: كان أبوي يجبرها قبل ما تنكسر.
حمى الله الوطن أرضاً وقيادةً وشعباً من كل شر.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :