facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الثلج في عمان


مصطفى القرنة
05-03-2025 03:25 PM

كنت طفلا محبا للثلج ، وكانت مشكلتي الكبيرة في الثلج كيف احافظ على حذائي من التلف عندما أسير مسافات طويلة لانه وفي نهاية الرحلة ستكون علقة ساخنة ، ولذلك كان والدي رحمه الله يشتري لي جزمة طويلة لا أعرف اذا كانت صينية أو غيرها انذاك .

في عمّان، حيث الجبال تتلاقى مع السماء في مرونة لا يجرؤ الزمان على أن يخلعها، كانت الأيام التي تغطيها الثلوج تلوح في الأفق كالأحلام المفقودة، أو كأوهام تتخفى خلف أغطية البياض. كنت طفلًا، وأنا أراقب تلك اللحظات التي تذوب فيها سحب الشتاء في السماء وتحوّل الأرض إلى عالم آخر، غير عالمنا هذا. كان جبل التاج بالنسبة لي مكانًا يُشكل عالمي ، المكان الذي كنت أنتظر فيه الثلج كمن ينتظر الوحي في عزلة الوجود، ذلك الثلج الذي يفرحني كما يفرح الطائر في السماء حين تلامس جناحيه أولى خيوط الفجر.

أذكر جيدًا كيف كنت أضع أكياس البلاستيك السوداء على قدميّ، أكاد أسمع صوت الصرير تحت ثقل الخطوات، بينما أبحث عن أصدقائي بين المنحدرات البيضاء. كانت الثلوج تخفي كل شيء حولنا، لكن في ذات الوقت كانت تتركنا أمام أنفسنا، بقلوب ترفرف كما لو أننا نتعلم الحياة من جديد. لم يكن هناك همّ سوى أن تظل العقول خفيفة والأرواح مملوءة بالفرح الطفولي.

كانت حياتنا أبسط مما نتخيل الآن. لم يكن رجل الثلج جزءًا من ثقافتنا؛ كنا لا نعرفه ولا نسعى لبنائه. كان الثلج نفسه أهم من أي شيء آخر، وتلك الكرات الثلجية التي كانت تتساقط فجأة على وجوهنا كانت تحمل بين طياتها درسًا عميقًا في القبول. "إذا جاءتك كرة ثلجية قوية ولم تكن مستعدًا، فعليك أن تتحمل ذلك". كان في هذه اللحظة درس في مواجهة الحياة بما تحمله من مفاجآت غير متوقعة. الحياة، مثل الثلج، لا تأتي كما نريد دائمًا، لكنها تأتي وتغطي كل شيء، وتجعل من كل لحظة لعبة أو مغامرة.

كنت أراقب سكة الحديد على الجبل المقابل في جبل النصر ، كيف كانت تتعرج بين الجبال البيضاء وكأنها خط زمني يمتد عبر العصور. كان منظرها يأسرني، في ذلك التلاقي بين الطيف الأبيض والصلابة الحديدية، الذي كان يبدو كأنها رسائل موجهة إلى الأبدية. كانت تلك اللحظات أصدق من أي كلمات قد تكتب. كانت سكة الحديد تتحدث عن العزيمة، عن الرحلة التي تبدأ ولا تنتهي.

أما الآن، وأنا في نفس المكان تقريبًا، لم يأت الثلج. لم يزرنا، رغم أننا انتظرناه بكل لهفة، بكل شوق. حقا نحن بحاجة إلى الثلج بقدر ما نحن بحاجة إلى أن نعيش تلك اللحظة مرة أخرى. كأن الثلج في ذلك الزمن كان أكثر من مجرد ظاهرة طبيعية. كان شيئًا يجعلنا نرى الحياة من زاوية أخرى، زاوية تصنعها أقدامنا الصغيرة على الثلج، تلك الأقدام التي كانت تعرف سعادة غير مشروطة.

أتذكر جيدًا تلك اللحظة في الأول الثانوي، عندما كنت أعود من رحلة الثلج وأشعر أن أطرافي قد تجمدت. كنت رغم ذلك أشعر بشيء غير محدد في صدري، شيء يشبه الفرح الذي لا يمكن أن تفسره الكلمات. كان الناس في الشوارع يتسابقون ليختبئوا من البرد، بينما كنت أنا أسير بخطوات ثابتة، رغم ألم التجمد في جسدي. لا شيء كان يعكر صفو هذه اللحظة، وكأن اللون الأبيض وحده هو من يملك سر السعادة.

وفي تلك اللحظة التي قررت فيها النزول إلى وسط البلد من جبل التاج، كان هناك تجمد يسيطر على كل شيء. حاولت النزول من الشارع المؤدي إلى المدرج الروماني، لكنني سقطت على ظهري. سقطت كما تسقط فكرة ثقيلة، ولكنني نمت على ذلك البياض الناعم وكأنني قد سقطت في أحضان الكون. وفي أسفل الشارع المنحدر، وجدت نفسي بلا سبب، وكأن الحياة نفسها سحبتني لتجعلني أعيش تلك اللحظة. كنت في مرحلة الشباب، لكنني كنت في هذه اللحظة أكثر نضجًا من سنواتي.

اللون الأبيض، بكل هدوئه، كان يخفف آلامنا ويهدئ قلوبنا. كان كالموسيقى التي تعزفها الرياح على أوتار الجبال، بحيث لا يحتاج المرء أكثر من أن يغلق عينيه ليشعر بالسعادة. تلك كانت ذكرياتي.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :