الخدمة الحكومية الرقمية: خطوة للأمام ومسؤولية مستمرة
د. رائد قاقيش
22-12-2025 01:38 AM
لم يعد التحول الرقمي في الخدمات الحكومية مسألة تقنية أو خيارًا إداريًا، بل أصبح معيارًا لقياس كفاءة الدولة الحديثة وقدرتها على خدمة مواطنيها بفعالية واستدامة.
يشكّل التحول الرقمي في القطاع الحكومي أحد أهم مؤشرات تطور الدولة الحديثة، ليس من زاوية التكنولوجيا وحدها، بل من حيث إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والخدمة العامة. وفي هذا السياق، يُعد تطبيق «سند» خطوة محورية ومهمة في مسار التحول الرقمي الأردني، تعكس إرادة واضحة لتوحيد الوصول إلى الخدمات وتخفيف الأعباء الإجرائية عن المواطنين.
ومن باب المسؤولية الفكرية والتاريخية، فإن هذا الطرح لا يأتي من فراغ. فقد كنت نائبًا سابقًا في المجلس النيابي الرابع عشر، وخلال تلك المرحلة كنت من الأصوات التي تبنّت ورفعت الشعار نفسه الذي نادى به جلالة الملك عبدالله الثاني مبكرًا، دعمًا لرؤيته في تحديث الإدارة العامة، والانتقال نحو الحكومة الإلكترونية ورقمنة العمل والإجراءات. وقد طُرح ذلك في حينه، ضمن سياقه الزمني الطبيعي، وبروح منسجمة مع التوجه الوطني العام، دون ادّعاء سبق أو خروج عن الإطار العام، وهو طرح موثق ومثبت في أرشيف مجلس النواب والمراجع المحفوظة في مكتبته، ضمن النقاشات الوطنية حول التحديث الإداري.
لقد نجح تطبيق سند في جمع عدد كبير من الخدمات والوثائق الحكومية ضمن منصة واحدة، وهو إنجاز يُحسب له. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عرض الوثيقة بحد ذاته، بل في إدارة دورة حياتها كاملة: من الإشعار بقرب انتهاء الصلاحية، إلى التجديد، وصولًا إلى الاعتماد النهائي دون الحاجة إلى مراجعات حضورية. فما تزال بعض الخدمات المرتبطة بالتجديد الدوري، مثل التأمين الصحي المدني أو بعض معاملات الأحوال الشخصية، تتطلب إجراءات خارج الإطار الرقمي، وهو ما يخلق فجوة بين توقع المستخدم وبين التجربة الفعلية.
ويبرز هنا تحدٍّ غير مرئي للمستخدم، يتمثل في محدودية التكامل البيني بين المؤسسات الحكومية. فعندما تعمل كل جهة كنظام مستقل، يصبح التطبيق واجهة عرض أكثر منه منصة تشغيل متكاملة. التجارب الرقمية الأكثر نضجًا انتقلت مبكرًا إلى مبدأ “الدولة كمنصة”، حيث تتبادل الجهات البيانات فيما بينها دون أن يُطلب من المواطن إعادة تقديم معلومات تمتلكها الدولة أصلًا.
كما أن أي تحول رقمي لا يكتمل دون غطاء تشريعي واضح. فوجود المستند بصيغة رقمية لا يعني بالضرورة الاعتراف الكامل به في جميع السياقات. الانتقال النوعي يتطلب نصوصًا صريحة تعتبر المستند الرقمي المعتمد وثيقة رسمية مكتملة الحجية، وتمنع الازدواجية بين الورقي والرقمي، بما ينسجم مع فلسفة التحديث الإداري ويعزز ثقة المواطن بالنظام.
ومن زاوية أخرى، فإن التحول الرقمي لا يُقاس بعدد الخدمات المدرجة، بل بمدى سهولة استخدامها. فالتطبيق الواحد يخدم شرائح مختلفة من المجتمع، من كبار السن والمرضى، إلى ذوي الإعاقة والمستخدمين محدودي الخبرة التقنية. التجارب المتقدمة أولت أهمية خاصة لتبسيط الواجهات، وتعدد أوضاع الاستخدام، والتنبيهات الذكية المرتبطة بانتهاء الوثائق، بما يحوّل التطبيق من أداة تقنية إلى شريك يومي في حياة المواطن.
وفي نماذج إقليمية متقدمة، لم يعد التطبيق الحكومي مجرد قناة إضافية، بل أصبح المسار الافتراضي الأول، فيما بات الحضور الشخصي هو الاستثناء لا القاعدة. هذا التحول لم يتحقق بتقنيات أكثر تعقيدًا، بل بقرارات واضحة شملت تكاملًا مؤسسيًا حقيقيًا، وتشريعات حاسمة، وتصميمًا متمحورًا حول الإنسان، وهي عناصر يمكن تحقيقها تدريجيًا ضمن السياق الأردني.
إن تجربة سند ليست موضع تشكيك، بل موضع بناء وتطوير. فالانتقال من منصة جامعة إلى منصة مُشغِّلة يتطلب استكمال الخدمات المرتبطة بالتجديد، وتفعيل الهوية الرقمية عن بُعد، والاعتراف الكامل بالمستند الرقمي، وتعزيز الشفافية في حالة كل خدمة. فسند مشروع وطني مهم، ونجاحه الحقيقي لن يُقاس بعدد التحميلات، بل بقدرته على تقليل الحاجة إلى الحضور، وتخفيف العبء عن المواطن، وتحويل الرقمنة من واجهة حديثة إلى ممارسة يومية مكتملة.
التحول الرقمي ليس تقنية فقط، بل قرار واستمرارية..
*د. رائد قاقيش/
نائب سابق.