الجولات التفقدية بين المشهد والنتيجة
المحامي سلطان نايف العدوان
02-01-2026 10:21 PM
ما جرى هذا الشتاء شكّل لحظة كاشفة، أظهرت الفجوة بين ما يُقال قبل الموسم، وما يظهر عند أول اختبار حقيقي للبنية التحتية.
قبل كل شتاء، مشهد متكرر من المسؤولين جولات تفقدية، زيارات ميدانية والإيعاز للفرق بالجاهزية، وصور واخبار صحفية توثّق انجاز حدث الزيارة.
حضور يُسجَّل، وتصريحات تُنشر، وتنقّل يُستنزف له وقت وجهد وكلفة، بينما يغيب السؤال الأهم:
ما الذي أضافته هذه الجولة خارج إطار الخبر؟
وأين الدراسات، والأرقام، وخطط المعالجة التي يُفترض أن تسبقها؟
الشتاء تعامل مع الواقع كما هو،
واختبر جودة التخطيط،
وتطوير البنية التحتية سنةً بعد سنة،
ومعادلات الإحالة السعرية للأرخص ،اسس التأهيل
ومستوى الإشراف أثناء التنفيذ والاهم المحاسبة عند الاختبار .
إدارة الأزمات والكوارث الطبيعية لا تبدأ عند هطول المطر، بل قبل ذلك بوقت طويل.
تبدأ بتقييم علمي للحالة، وقراءة رقمية دقيقة، وتحليل خرائط نقاط الضعف وفق مستويات مختلفة من شدة الهطول، ثم تحويل هذه النتائج إلى مشاريع تُنفَّذ خلال الصيف، قبل أن تتحول المخاطر إلى وقائع.
ما حدث في الكرك أعاد طرح هذه الأسئلة بوضوح.
لم يكن الحدث استثنائيًا بقدر ما كان كاشفًا، وأعاد التذكير بعقلية إدارة ما تزال تعتمد معادلات سعرية ضيقة في طرح العطاءات، وإشرافًا محدود الأثر أثناء التنفيذ، ثم معالجة لاحقة عند التسليم.
ويُذكّرنا جميعًا حين يطلّ وزير حالي، ويُقدّم الحسم على مستحقات المقاولين بعد فشل الفحوصات بوصفه إنجازًا إداريًا، بينما يبقى السؤال الجوهري أسبق زمنيًا ومهنيًا:
كيف وصل المشروع إلى هذه النتيجة أصلًا؟
وفي أي مرحلة كان الخلل؟
السؤال هنا لا يتعلّق بمقاول فقط، بل بمنهج إدارة كامل:
منهج يكتشف الخلل بعد التسليم، ويتعامل معه كإجراء محاسبي، بدل أن يُدار منذ البداية كمسؤولية تخطيط وإشراف ومنع.
وهنا يبرز سؤال مؤسسي مباشر:
كيف يمكن لإدارات اعتادت معالجة الفشل بعد وقوعه، أن تنتقل إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، تقوم على دراسة خرائط الضعف، وبناء برامج تدخل مختلفة لكل مستوى شدة هطول، وترجمة هذه الدراسات إلى خطط تنفيذية لتطوير بنية تحتية جديدة؟
الإدارة الحديثة تُقاس بقدرتها على المنع لا على المعالجة،
وبربط السعر بالكفاءة،
والإحالة بجودة الإشراف،
والتنفيذ بالجاهزية التشغيلية.
الأردن حاضر بقوة في المحافل الدولية المعنية بالتغير المناخي، وهذا الحضور يضع مسؤولية إضافية على الإدارات التنفيذية لترجمة الالتزامات إلى جداول أعمال، وخطط صيفية واضحة، وبرامج تطوير تُدار بعقول قادرة على التحليل، وتحويل المخاطر إلى عناصر تصميم.
الشتاء أدّى دوره الطبيعي.
أما المراجعة المطلوبة اليوم، فهي مراجعة لمنهج الإدارة، ومدى جاهزيتها للتعامل مع مخاطر معروفة ومتكررة، وقابلة للتخطيط المسبق.
ومن هنا نصل إلى الحديث عن المدينة الجديدة .
وبالتأكيد، تُترك إدارتها لأصحاب القرار، ومع ذلك يسود التفاؤل تجاهها بوصفها مشروعًا وطنيًا واعدًا.
فالمدينة الجديدة فرصة لاستثمار استقرار الأردن الجيوسياسي، لكنها من منظور المستثمر اختبار ثقة.
والثقة تُكتسب بإدارة تعرف كيف تخطط، وكيف تُنفّذ، وكيف تحمي الاستثمار قبل أول اختبار.
نجاح المدينة الجديدة مرتبط بكفاءة الإدارة التي ستتولى تخطيطها وتنفيذها وتشغيلها، وبقدرتها على إنتاج نموذج حضري موثوق، يجذب الاستثمارات، ويصمد أمام التحديات، ويُدار بمنهج يسبق الأزمة ويحوّل المخاطر إلى فرص تطوير.
المدينة الجديدة مشروع دولة،
ومشروع ثقة،
ومشروع إدارة واستثمار قبل أن يكون مشروع عمران.