مقارنة "حزينة" بين إسرائيل 1948 وإسرائيل 2026!!
أ.د أحمد بطَّاح
05-01-2026 06:33 PM
حينما تم إعلان دولة إسرائيل في عام 1948 بقرار من الأمم المتحدة قدّمت نفسها إلى العالم على أنها دولة صغيرة تريد أن تؤوي اليهود الذين تعرضوا للاضطهاد وبالذات من النازية خلال الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945)، كما صوّرت نفسها على أنها دولة ضعيفة تعيش وسط بيئة عربية معادية لها، وأنها لا تتطلع إلى أكثر من التفاوض مع العرب لضمان وجودها واستمرارها!
أمّا اليوم ونحن نعبر من عام 2025 إلى 2026 فإنّ إسرائيل لم تكتفِ فقط بالاعتداء على الدول العربية المحيطة بها بل تجاوزت ذلك لكي تعتدي على بعض الدول العربية البعيدة عنها، وعلى بعض الدول الإسلامية البعيدة عنها كذلك، بل ها هي تعترف "بأرض الصومال" التي لم تعترف بها أية دولة أخرى في العالم وذلك لتأسيس قاعدة لها في هذه المنطقة مُهدّدةً بذلك القرن الإفريقي وباب المندب والملاحة البحرية في البحر الأحمر، وقد ترمي أيضاً إلى إجلاء الفلسطينيين من قطاع غزة إلى هذه الأرض الصومالية.
ولتجلية هذا التوسع الإسرائيلي ومخاطره فإنّنا يمكن نشير إلى ما يلي:
أولاً: مارست إسرائيل إبادة جماعية اهتز لها العالم في قطاع غزة وهي قيد التحقيق في محكمة العدل الدولية، وها هي تقضم في كل يوم من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية ويمارس مستوطنوها أبشع الاعتداءَات ضد الفلسطينيين قاصدةً "ضماً" غير مُعلن للضفة الغربية ومنكرةً بذلك حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم على أراضي الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية حسب الشرعية الدولية.
ثانياً: تعرّضت بطريقة غير مباشرة للمصالح العُليا الأردنية من خلال محاولة ضمها التدريجي للضفة الغربية وذلك بتهديدها الواقعي والمبطن بتهجير الفلسطينيين من وطنهم والعبث بالديموغرافيا الأردنية وخلخلة الجبهة الأردنية لصالحها بل بلغ الأمر ببعض وزرائها وهو سمورترش الإعلان عن أنّ الأردن هو جزء من "أرض إسرائيل"!
ثالثاً: تجاوزت إسرائيل الاتفاق الأمني المُوقّع مع مصر والملحق باتفاقية "كامب ديفيد" واحتلت ممر فيلادلفيا (ممر صلاح الدين)، كما احتلت معبر رفح الذي يفصل أصلاً بين مصر والأراضي الفلسطينية في قطاع غزة متجاهلةً بذلك أنه يجب أن يُدار من مصر من الجهة المصرية، ومن السلطة الوطنية الفلسطينية بمساعدة الاتحاد الأوروبي من الجهة الفلسطينية!
رابعاً: ما زالت حتى الآن وبرغم توقيع القرار (1701) مع لبنان والقاضي بوقف إطلاق النار تحتل خمس نقاط على الحدود اللبنانية، وتمنع سكان القرى اللبنانية الجنوبية من العودة إلى قراهم، وذلك فضلاً عن هجماتها شبه اليومية على مواقع وأشخاص في معظم الجغرافيا اللبنانية.
خامساً: ضربت عرض الحائط باتفاق 1974 مع سوريا واحتلت أراضي شاسعة من الأراضي السورية الجنوبية بما في ذلك موقع جبل الشيخ السوري (أعلى نقطة في الجولان السوري ومنها يمكن رصد الأماكن البعيدة حتى في إيران) كما شنت أكثر من (500) غارة على سوريا لتدمير كل ما تبقى من مقدرات الجيش السوري السابق، وهي تطالب بكل صفاقة بنزع سلاح المحافظات السورية الجنوبية (درعا، السويداء، القنيطرة)!
سادساً: اعتدت على الأراضي اليمنية وقتلت رئيس وزراء أنصار الله الحوثيين ورئيس أركان جيشهم، وذلك فضلاً عن إلحاق خسائر فادحة بالاقتصاد اليمني من خلال ضرب ميناء الحديدة ومحطات الكهرباء عدة مرات.
سابعاً: اعتدت على إيران وقامت بقتل عدد مهم من قادتها العسكريين وعلمائها الذريين، وذلك فضلاً عن محاولتها بالمشاركة مع الولايات المتحدة تدمير مواقعها النووية والصاروخية، وها هو نتنياهو رئيس وزرائها يحاول الحصول على الضوء الأخضر من الرئيس الأمريكي ترامب لضربها مرةً أخرى في محاولة لاستئصال برنامجها النووي والصاروخي نهائياً.
ثامناً: استخفت بالقانون الدولي وها هي تعترف بمنطقة "أرض الصومال" كدولة لكي تجد موطئ قدم لها في منطقة القرن الإفريقي، الأمر الذي استثار ليس فقط الصومال بل الجامعة العربية، ومنظمة الاتحاد الإفريقي، وعدد كبير من دول العالم، وها هو مجلس الأمن الدولي يعقد جلسة من أجل مناقشة هذا الاعتراف غير المسبوق!
ماذا يعني هذا كله؟ ألا يعني أن إسرائيل التي بدأت وديعة مُسالمة تبحث عن القبول والاعتراف بها وبالذات من محيطها العربي في عام 1948 تستأسد وتُكشّر عن أنيابها وتضرِب هُنا وهناك، غير آبهةٍ بالقانون الدولي ولا بمصالح الآخرين.
ألا يعني أن إسرائيل الصغيرة التي نشأت بقرار دولي وليس بظروف طبيعية كما تنشأ الدول والمجتمعات أصبحت إسرائيل الكبرى التي لا تكتفي فقط "بإرهاب" محيطها المباشر بل تمتد يدها لكي تضرب في أماكن بعيدة كاليمن وإيران؟ ألا يعني أنها تمارس نفوذاً وسطوة على معظم دول ومجتمعات المنطقة بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟
إنّ إسرائيل 2026 لم تعد إسرائيل 1948، وهي تفرض علينا أن نصحو، وأن ندرك أبعاد الخطر، وأن نعمل بجد ومسؤولية لمواجهته.