facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الضمان الاجتماعي أمام اختبار الزمن أرقام لا تحتمل المجاملة


د. مثقال القرالة
21-01-2026 11:24 AM

لم تكن نتائج الدراسة الاكتواريه الحادية عشرة للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي في الأردن مجرد تقرير دوري، بل جاءت كوثيقة استراتيجية تكشف بوضوح مسار الاستدامة المالية للنظام التقاعدي، وتضع صانع القرار أمام حقائق رقمية لا تقبل التجميل ولا تحتمل التأجيل. فالإشارة إلى بلوغ نقطة التعادل الأولى في عام 2030، حيث تتساوى الإيرادات التأمينية مع النفقات الجارية، تعني عملياً انتقال المؤسسة من مرحلة “الفائض التشغيلي” إلى مرحلة “الاعتماد الجزئي على عوائد الاستثمار” لسد أي فجوة نقدية محتملة، وهو تحول حساس في دورة حياة أي نظام تقاعدي. ومن زاوية مالية مبسطة، يمكن تشبيه هذا التحول بوضع مؤسسة إنتاجية أصبحت إيراداتها التشغيلية تغطي التكاليف فقط دون تحقيق فائض، ما يجعلها مضطرة للاعتماد على مدخراتها أو أرباح استثماراتها للحفاظ على الاستقرار. فإذا افترضنا، على سبيل المثال، أن الإيرادات التأمينية في عام 2030 ستبلغ نحو 3 مليارات دينار، وأن النفقات ستصل إلى المستوى ذاته، فإن أي اهتزاز اقتصادي محدود، مثل ارتفاع البطالة بنسبة 1–2% أو تباطؤ نمو الأجور، قد يحول التوازن إلى عجز نقدي مباشر يحتاج إلى تغطية فورية من عوائد الاستثمار أو الاحتياطيات.

وتتضاعف أهمية هذا المشهد مع التوقع بالوصول إلى نقطة التعادل الثانية في عام 2038، وهي المرحلة التي تصبح فيها الإيرادات التأمينية والعوائد الاستثمارية معاً غير كافية لتغطية الالتزامات. هنا لا نتحدث عن فجوة مؤقتة، بل عن بداية مرحلة استنزاف تدريجي للاحتياطيات إذا لم يتم التدخل بإصلاحات ذكية ومدروسة. هذه المرحلة، في حال أُسيء التعامل معها، قد تفرض ضغوطاً كبيرة على المالية العامة، وتدفع نحو حلول قسرية ذات كلفة اجتماعية مرتفعة. البعد الديموغرافي يضيف تحدياً إضافياً لا يمكن تجاهله. فارتفاع متوسط العمر المتوقع في الأردن إلى ما يزيد على 74 عاماً، بالتوازي مع انخفاض معدلات الخصوبة، يعني أن عدد المتقاعدين ينمو بوتيرة أسرع من نمو عدد المشتركين الجدد. وإذا كانت النسبة الحالية تقارب متقاعداً واحداً لكل ستة مشتركين، فإنها مرشحة للانخفاض مستقبلاً إلى متقاعد لكل أربعة مشتركين أو أقل، وهو ما يرفع العبء المالي على النظام ويضغط على توازن الإيرادات والنفقات على المدى الطويل.

من هنا، فإن الإصلاح المطلوب لا ينبغي أن يكون خطاباً عاماً أو رد فعل ظرفياً، بل برنامجاً عملياً قائماً على أدوات مالية واضحة. فرفع كفاءة التحصيل بنسبة محدودة لا تتجاوز 3–5% يمكن أن يضيف مئات الملايين من الدنانير سنوياً إلى الإيرادات، وهو أثر قد يفوق في قيمته أي زيادة مباشرة في نسب الاشتراكات. كما أن تقليص التهرب التأميني، الذي يمثل فجوة صامتة في الإيرادات، يُعد أحد أسرع المسارات لتعزيز الاستدامة دون تحميل المواطنين أعباء إضافية. كذلك، فإن إعادة تنظيم معايير التقاعد المبكر وفق منطق عادل ومتوازن، يربط بين سنوات الخدمة ومتوسط الأجر والعمر عند التقاعد، يمكن أن يقلل من النزيف طويل الأجل في الالتزامات المستقبلية، ويحافظ في الوقت ذاته على البعد الاجتماعي للنظام.

أما على مستوى الاستثمار، فإن إدارة أموال الضمان الاجتماعي يجب أن تقوم على مبدأ “العائد المستدام” لا “العائد المرتفع المؤقت”. فالفارق بين تحقيق عائد سنوي بنسبة 6% وآخر بنسبة 7% على محفظة ضخمة تقدر بعشرات المليارات من الدنانير، يعني عملياً مئات الملايين من الدنانير الإضافية سنوياً، وهو فارق قادر على تأخير الضغوط المالية لسنوات. هنا تصبح الحوكمة الرشيدة، وتنويع الاستثمارات، وتوزيع المخاطر بين القطاعات والأسواق، عناصر استراتيجية لا تقل أهمية عن أي تعديل تشريعي. والأخطر من كل ذلك هو عامل الزمن. فالإصلاح المبكر التدريجي أقل كلفة وأكثر قبولاً اجتماعياً من الإصلاح المتأخر القسري. تعديلات بسيطة ومدروسة اليوم، مثل الرفع التدريجي لسن التقاعد أو تحسين كفاءة الإدارة المالية، يمكن تنفيذها بسلاسة في ظل الاستقرار النسبي، لكنها تتحول إلى قرارات موجعة إذا فُرضت في لحظة عجز وضغط مالي.

في الخلاصة، فإن هذه الدراسة لا تدق ناقوس الخطر بقدر ما تفتح نافذة الفرصة. هي دعوة صريحة للانتقال من إدارة اللحظة الراهنة إلى التخطيط بعيد المدى، ومن التفكير القصير الأمد إلى بناء استدامة مالية تحمي حقوق الأجيال الحالية والقادمة. فالضمان الاجتماعي ليس مجرد أرقام في جداول مالية، بل ركيزة للأمن الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي وأحد أعمدة الثقة بين الدولة والمواطن. ومن يحسن قراءة هذه المؤشرات اليوم، سيصنع حماية حقيقية للمستقبل، أما من يتجاهلها، فسيترك للأجيال القادمة عبئاً أثقل وثمناً أعلى.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :