هل نربي أبناءنا أم نؤثثهم؟
م. خالد أبو مزهر
01-02-2026 11:04 PM
في غمرة السباق المحموم نحو تأمين الحياة الفضلى استيقظنا فجأة لنكتشف أننا نجحنا في كل شيء إلا في المهمة الأسمى.لقد وفرنا لأبنائنا أحدث الهواتف، وأفخم الثياب، وأجود أنواع التعليم، لكننا سقطنا بوعي أو بدون وعي في فخ التربية بالوكالة.
إن المشكلة الحقيقية اليوم تكمن في خلطنا المفاهيمي بين الرعاية والتربية . الرعاية هي توفير المأكل والمشرب والملبس، وهي مهمة مادية يمكن لأي جهة القيام بها. أما التربية فهي غرس القيم، وبناء الوجدان، وتشكيل الوعي. نحن اليوم نؤثث حياة أولادنا بالكماليات، وننسى أن نبني الإنسان الذي سيسكن هذا الأثاث.
لقد تحول البيت في كثير من الأحيان إلى فندق الجميع فيه حاضر جسدياً، لكن القلوب تسكن في عوالم افتراضية متباعدة.
الحقيقة المُرّة التي يجب أن نواجهها بشجاعة هي أننا نصنع جيلاً يعيش يُتماً عاطفياً رغم وجود الأبوين. فالأبوة ليست مجرد صراف آلي (ATM) يوزع الأموال عند الطلب، والأمومة ليست ألبوماً للتباهي باللحظات المصطنعة على سناب شات.
عندما نترك عقول أطفالنا لنهش خوارزميات "يوتيوب" وقيم المؤثرين الغرباء، فنحن نسلم مفاتيح بيوتنا لمن لا نعرفهم. ثم نصاب بالصدمة حين نجد أبناءنا يتحدثون لغة لا تشبهنا ويحملون قناعات غريبة عن بيئتنا وتاريخنا. الحقيقة أننا نحن من تركنا الفراغ، والطبيعة كما يقولون لا تقبل الفراغ.
إن الطفل لا يحتاج إلى شاشة لمس باهظة، بل يحتاج إلى قلب يلمسه وعقل يحاوره ويحتويه. الوجود الحقيقي ليس بتوفير أحدث إصدار من الآيفون بل في تخصيص وقت حقيقي للإنصات، لمشاركة الهموم الصغيرة، ولغرس المبادئ التي لا تُباع ولا تُشترى.
إذا لم تملأ وقت ابنك بوجودك وتأثيرك، سيملأه الغرباء بأفكارهم التي قد تهدم كل ما بنيته من رفاهية مادية. إن المستقبل المادي المبهر لا قيمة له إذا كان الابن يفتقر إلى الهوية والانتماء الروحي لأسرته.
التربية جهد، وصبر، واستثمار في الوقت قبل المال. قبل أن تلوموا التكنولوجيا أو جيل الآيباد انظروا في مرآة الواقع هل أنتم مربّون أم مجرد ممولين؟ تذكروا دائماً أن أولادكم يحتاجونكم أنتم، لا ما تشترونه لهم .