عبدالله الثاني: شرعية الموقف وقوة الحضور الدولي
السفير الدكتور موفق العجلوني
02-02-2026 09:30 PM
في عيد ميلاد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله… قيادة تُصاغ بالفعل لا بالخطاب ، لا نقف عند تاريخٍ في التقويم، بل أمام تجربة قيادية نادرة في زمن مضطرب، استطاعت أن توازن بين ثوابت المبدأ ومتغيرات السياسة، وبين كرامة الدولة ومسؤولية الإنسان.
لقد شكّل جلالة الملك منذ توليه سلطاته الدستورية نموذجًا لقائدٍ لا يرى الحكم امتيازًا، بل أمانة، ولا يعتبر الاستقرار حالة جامدة، بل مشروعًا مستمرًا يتطلب شجاعة القرار، ووضوح الرؤية، وصدق الانحياز لمصالح الشعوب لا لمزاج اللحظة.
أردنيًا، قاد جلالته الدولة بمنطق الدولة لا بمنطق السلطة؛ فحافظ على تماسك المؤسسات، ورسّخ مفهوم سيادة القانون، وحمى هوية الأردن الوطنية في محيطٍ يموج بالأزمات، مؤمنًا بأن قوة الداخل هي أساس أي حضور خارجي محترم.
عربيًا، ظل صوت الأردن في عهد جلالته صوت عقلٍ لا يساوم على الثوابت، ولا يزايد بالشعارات. فكان حاضرًا في كل منعطف عربي حاسم، داعيًا إلى التضامن لا الاصطفاف، وإلى الحلول السياسية لا الفوضى، وإلى وحدة المصير لا انقسام المصالح.
إسلاميًا، حمل جلالة الملك مسؤولية الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس بضميرٍ تاريخي وأخلاقي، مدافعًا عن هوية المدينة، وعن حقها في السلام والعدالة، ومجسدًا فهمًا حضاريًا للإسلام يقوم على الوسطية، واحترام الإنسان، ورفض التطرف بكل أشكاله.
دوليًا، لم يكن حضور جلالة الملك طارئًا ولا شكليًا، بل فاعلًا ومؤثرًا. فقد جاب عواصم العالم مدافعًا عن القضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، مخاطبًا الضمير العالمي بلغة القانون الدولي والإنسانية المشتركة، لا بلغة الانفعال أو المساومة. ومن هنا نال احترام قادة العالم، لا لقوة النفوذ، بل لقوة الموقف، وصدق الخطاب، واتساق القول مع الفعل.
أما إنسانيًا، فتميّز نهج جلالته بانحياز واضح للإنسان أينما كان؛ في دعمه للاجئين، وفي دفاعه عن حقوق الشعوب، وفي إيمانه بأن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالسلاح وحده، بل بالعدالة، والتنمية، والكرامة الإنسانية.
وفي هذا السياق، يبرز سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني حفظه الله بوصفه امتدادًا واعيًا لهذا النهج، لا نسخة مكررة منه. فقد سار على خطى جلالة الملك بفهمٍ عميق لمتطلبات العصر، وقربٍ حقيقي من الشباب، وحضورٍ دولي يعكس صورة الأردن الحديث: دولة طموحة، منفتحة، ثابتة على مبادئها، وواثقة بمستقبلها.
إن العلاقة المتينة التي نسجها جلالة الملك مع الزعماء العرب والمسلمين وقادة العالم لم تكن علاقات مجاملات، بل شراكات احترام متبادل، أساسها المصداقية، والوضوح، والقدرة على قول “لا” عندما تتطلب الكرامة الوطنية ذلك، و”نعم” عندما يخدم السلام والعدل.
في عيد ميلاد جلالة الملك حفظه الله ، لا نحتفي بشخصٍ فحسب، بل بنهج دولة، وبقيمة قيادة، وبمسارٍ جعل من الأردن رقمًا صعبًا في معادلات السياسة، وصوتًا محترمًا في ضمير العالم.
حفظ الله جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وبارك خطاه، وأدام على الأردن أمنه واستقراره، في ظل قيادته، وامتداد رؤيته في سمو ولي عهده الأمين الامير الحسين حفظه الله .
* السفير الدكتور موفق العجلوني
المدير العام مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me