facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عمرة .. الشرعية الاقتصادية الغائبة


م. عامر البشير
06-02-2026 10:21 AM

مدينة الأحلام… وواقع الاقتصاد

في الدول محدودة الموارد، لا تُقاس المشاريع الوطنية الكبرى بضخامة عمرانها ولا بحجم موازناتها، بل بقدرتها الفعلية على خلق شرعية اقتصادية مستدامة.
وهذه الشرعية لا تتشكّل بالخطاب الرسمي، ولا بصور الإنشاءات التي قد تدغدغ مشاعر شريحة ليست بالقليلة طال انتظارها بفعل تأخر التنمية، بل حين يشعر المواطن أن المشروع يفهم واقعه الاقتصادي، ويحمي مدّخراته، ويتحدث إلى قدرته الحقيقية على العيش، لا إلى أحلام مؤجلة لا يملك أدوات الوصول إليها.
وحين تضيق الفرص وترتفع كلفة المعيشة، يصبح السؤال عن جدوى أي مشروع كبير سؤالًا مشروعًا عن طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، لا عن الخرائط والواجهات.

من خلاف سياسي إلى قلق اقتصادي مشروع
من هذا المنطلق، يصعب قراءة الجدل الدائر حول «مدينة عمرة» بوصفه خلافًا سياسيًا عابرًا، بل يمكن فهمه – في جوهره – كتعبير عن قلق اقتصادي عام، يتصل بمنهج التمويل، وطبيعة الطلب الحقيقي، ودور أدوات الادخار الوطنية، ومكانة الطبقة الوسطى في معادلة التخطيط الوطني.
فعندما تُطرح مشاريع بمليارات الدنانير في اقتصاد يعاني ركودًا، وتآكلًا في الدخول، وارتفاعًا مستمرًا في كلف السكن والنقل، تصبح أسئلة من قبيل:
من يدفع؟ من يستفيد؟ ومن يتحمّل المخاطر؟
أسئلة مشروعة في أي نقاش عام مسؤول، ولا يمكن القفز عنها أو الاكتفاء بتأجيلها.

حين يأتي الحوار متأخرًا
دعوة الحكومة إلى حوار تقني مع الخبراء خطوة إيجابية في ظاهرها، إلا أنها تبقى – من منظور السياسات العامة – أقل فاعلية إن جاءت بعد تثبيت الخيارات لا قبلها.
ففي لحظة يتقاطع فيها التخطيط الحضري مع أدوات ادخار وطنية ومع مستقبل طبقة وسطى تتعرّض لضغوط متزايدة، لا يعود النقاش تقنيًا صرفًا، بل يتحوّل إلى تساؤل مشروع حول فلسفة التخطيط الاقتصادي: كيف تُبنى القرارات الكبرى؟ وبأي توازن بين الطموح والمخاطر؟ وعلى أي قاعدة اجتماعية؟

المدينة .. على مقاس الناس أم العكس؟
هل تُصمَّم المدن وفق قدرة الناس الفعلية على العيش والعمل فيها؟
أم يُطلب من الناس التكيّف مع مدن لم تُبنَ أصلًا على مقاس واقعهم الاقتصادي؟
هذا السؤال لا يتعلّق بموقع المشروع ولا بتخطيطه الهندسي أو شكله المعماري، بل يمسّ جوهر السياسات العامة وحدود قدرة المجتمع على الاحتمال والاستدامة.

المدينة ليست تخطيطًا .. بل فرص
فالمدينة ليست جدرانًا، بل وظائف،
ولا سكن بلا عمل، ولا عمل بلا اقتصاد منتج.
وأي مدينة تُبنى فقط لتخفيف الضغط العمراني عن عمّان والزرقاء او كعلاج للتحديات المرورية، من دون قاعدة اقتصادية مستقلة، سرعان ما تتحوّل إلى ضاحية نوم: حركة صباحية ومسائية بلا حياة اقتصادية حقيقية، وإعادة تدوير للأزمة بدل كسرها.
ما يصنع المدينة ليس نقل الأبنية، بل نقل الوظيفة، عبر:
• وظائف عامة تشغيلية تولّد اقتصاد خدمات محيط؛
• اقتصاد معرفي لا يتطلب التمركز في العاصمة؛
• صناعات ذكية عالية القيمة لا تُشوّه العمران؛
• تعليم تطبيقي مرتبط بسوق العمل؛
• اقتصاد محلي يخدم السكان، لا العابرين.
وأي خلل في هذه المعادلة يُضعف قدرة المدينة على الاستقرار والاستدامة.

التسويق الحقيقي .. فرص العمل لا الوحدات السّكنية
المدينة الجديدة لا تُسوَّق بوحدات سكنية، بل بفرص عمل تجعل السكن قرارًا منطقيًا لا عاطفيًا، والسؤال الذي ينبغي أن يسبق وضع حجر الأساس هو:
كم وظيفة دائمة ستُخلق؟ ما طبيعة هذه الوظائف؟
وما الذي يجعلها قابلة للاستمرار خارج مركز العاصمة؟

مفارقة عمّان .. فائض عمران وعجز اقتصادي
تكشف عمّان مفارقة واضحة: فائض في مساحات المكاتب والشقق غير المأهولة، مقابل فراغ اقتصادي آخذ في الاتساع.
سبق البناء الحاجة، نتيجة تقدّم الاستثمار على الرؤية، فيما تراجعت قدرة الطبقة الوسطى على التملك، ما يؤكد أن الأزمة ليست نقص أبنية، بل غياب فلسفة اقتصادية–عمرانية متكاملة.

أدوات الادخار الوطنية .. مسؤولية لا مجازفة
المدن الجديدة ليست ترفًا، ولا علاجًا سحريًا، بل قرارات دولة عالية الكلفة والتأثير.
وحين تدخل أدوات الادخار الوطنية في تمويلها، فإن ذلك يستدعي نقاشًا عامًا مسؤولًا حول الجدوى، والعوائد، وتوزيع المخاطر، باعتبار هذه الأدوات أمانة اجتماعية ومسؤولية اخلاقية، تتطلب أعلى درجات الحيطة والتخطيط الرشيد.

النقل العام: أين تُوجَّه الحلول؟
وعند الحديث عن التحديات المرورية في عمّان، يبرز سؤال تخطيطي مشروع:
أليس الأجدر – بدل الاكتفاء بربط مدينة جديدة بالعاصمة – الاستثمار في حلول نقل عام تخدم مناطق الكثافة السكانية وربطها بمناطق الإنتاج الفعلي، وصولًا إلى المطار؟
مثل هذا الخيار كان سيخلق كثافة ركّاب حقيقية، واقتصاديات تشغيل خطوط نقل عام وفرص عمل أكثر استدامة، ويُخفّف من كلفة الزمن والتنقّل، خصوصًا على فئات الشباب والنساء الاكثر تأثّر بالبطالة.

الخلاصة: شجاعة التوقّف كفعل دولة
المدينة ليست مشروعًا عمرانيًا، بل نظامًا اقتصاديًا–اجتماعيًا متكاملًا.
إما أن تُبنى استجابةً لحاجة حقيقية وقدرة فعلية، أو تتحوّل – مع الزمن – إلى عبء مؤجَّل الاعتراف.
فالشرعية الاقتصادية المستدامة لا تُشترى بالإسمنت، بل تُكتسب بالإنصات، وحسن التوقيت، واحترام قدرة الناس على العيش.
وفي اقتصاد يعاني فائضًا في عدد الشّقق الفارغة، وبطالة مرتفعة، لا تُقاس جدوى المشاريع بحجم عمرانها، بل بقدرتها على خلق فرص عمل مستدامة تسبق الإسمنت وتُنتج طلبًا حقيقيًا على السكن.
وأي مشروع لا يبدأ من سؤال الوظيفة قبل الخريطة، والدخل قبل الواجهة، يظل مشروعًا ناقص الشرعية الاقتصادية، ويخاطر بتحويل الاستثمار العام من أداة تنمية إلى عبء مؤجَّل.
وحدها الدولة التي تملك شجاعة التوقّف، والقدرة على قول: «ليس الآن»،
تستطيع أن تحوّل العمران من لقطة وضع حجر أساس… إلى مشروع حياة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :