الذكرى .. على طريق الاشواك
د.بكر خازر المجالي
07-02-2026 09:23 AM
لا زالت الذكرى لا تبارح أعماق الانسان الاردني وقد عاش مع الحسين طيب الله ثراه ، جلالة الملك الحسين طيب الله ثراه لا تغيب صورة محياه الطيب عن خيال ابنائه الاردنيين ولا تفارق روحه المعطاءة وجدان الاهل والعشيرة والاسرة الواحدة الاردنية" وهو الذي يقول:
" ما كنت في نظرهم سوى الحسين بلا مراسم ولا تشريفات، ولكن تقاليد بدوية حميمة تقوم على ثلاث مبادئ هي معاني الشرف والشجاعة والضيافة "
ذكرى المغفور له الملك الحسين طيب الله ثراه ، ذكرى قائد عاش مع الوطن والعشيرة على مدى 47 سنة ، سنوات من التحديات ،ولكن هي ايضا سنوات من الاعمار والبناء والتغيير ، عبر عنها جلالته طيب الله ثراه في كلمة له في مخيم الطالبية جنوب عمان بتاريخ 22 حزيران 1971 بقوله :
" لقد اخترنا طريق الاشواك والآلام ،طريق الرجال ولن نحيد عنها سنسير عليها يدا واحدة وقلبا واحدا خلف قوافل الشهداء التي سبقتنا والتي ناضلت وكافحت من اجل انتزاع الحق لأهله واصحابه في فلسطين . ان الاردن سيظل بعون الله الدرع الذي يقي المشرق العربي من الخطر ، والاردن هو قاعدة التحدي لكل ما يراد بامتنا وبارضنا ومقدساتنا من اذى"
فكانت صورة الوفاء التي ما تقلبت وأن اختلفت الدنيا، أوتعددت المواقف وتباينت،
وحين نقرأ في تاريخ المغفور له الملك الحسين ونراجع محطات صعبة واجهها الأردن وفي كل مرة كان الأردن فيها سيكون أو لا يكون فيها ، ونستعيد شريط الأحداث ، سنجد أن الأردن قد واجه ما تنوء الجبال عن حمله من تحيات وأخطار وكل أشكال المؤامرات والفتن ومحاولات الاغتيال والتصفية والتضييق والحصار.
لا اعتقد أن أحدا على وجه البسيطة إلا وحاول الإيقاع بالأردن وشعبه ، ولعل الأسباب عديدة ولكل جهة سببها ولكن القاسم المشترك هو أن الجميع هم ضد شرعية هذه الدولة تلك الشرعية التاريخية المستمدة من تاريخ آل البيت ومن أصالة الشعب الأردني وتماسكه.
فعلى مدى خمسة أو ستة عقود سابقة واجه الأردن ضربات خارجية استهدفت سيادته وكيانه وشرعيته ، ولكنها جميعا تحطمت أمام مناعة الشعب الأردني وشجاعة قيادته الهاشمية ، وإخلاص جيشه المقدام ، وحين فشل أولئك وتكررت حالات الفشل لديهم ، بدؤوا يحاولون المساس بالثالوث الأردني المقدس المؤلف من القيادة الشرعية الهاشمية ،والشعب المتحد والجيش المخلص الأمين ، والمحاولات هذه أيضا باتت معروفة مراميها ولن تفتت بعضد الدولة بكل أركانها .
ولعلنا نجد في حقبة الراحل الحسين طيب الله ثراه أعظم النماذج لتلك المحاولات الداخلية والخارجية للمساس ببنية الدولة وسيادتها ، فحين نقرأ في أسرار تعريب قيادة الجيش العربي آذار 1956 فقط سنجد حلقات معقدة تتجاوز كون القرار انه سيادي ، إلى ارتباط القرار بقبول الأردن عضوا في هيئة الأمم المتحدة والذي تعطل لتسع سنوات ،إلى التعامل مع حركة الضباط الأحرار الذين اتخذوا من وجود القيادة الأجنبية ذريعة للاستقطاب المؤيدين لهم ضد نظام الدولة ، فإلى رغبة التابعين لحلف وارسو في الجوار لتحويل الأردن إلى قاعدة نضالية على طريقتهم خدمة لأسيادهم في إطار الحرب الباردة حينها بين المعسكرين الأطلسي ووارسو، إلى نتائج القرار الذي يترتب عليه إلغاء المعاهدة الأردنية البريطانية التي بموجبها يحصل الأردن على أكثر من 70% من موازنته، فقاد المغفور له الحسين دبلوماسية صعبة في مواجهة الصعاب التي تقاطرت من كل حدب ، ونجح جلالته في كسر أطواق الحصار كلها ، واخترق بشجاعة كل أسوار التضييق، ووائم بين كل المصالح وأحاط الأردن بأطواق النجاة وخرج الأردن بقيادته منتصرا ، فكان قبول الأردن في هيئة الأمم المتحدة ، وكان قرار التعريب نافذا ، وكان أن تلقى مساعدات سخية من صديق جديد حينها (الولايات المتحدة ) ،ونشير إلى غدر من عبروا عن مساندة وتشجيعهم للحسين لطرد القيادة الأجنبية ممن وعدوه بتعويض كامل عن قيمة المساعدة البريطانية ولكن كانت لهم شروطا أرادوا من خلالها إخضاع الأردن لرغبات لا تتفق مع قيمه ولا مع كبريائه.
ولا يغيب عن الناظر مشهد جلالته طيب الله ثراه وهو يقف بين وابل الرصاص في الزرقاء بعد الفتنة التي أرادها البعض عام 1957م وتحول الجند الأردنيين إلى الهتاف والمناداة بقطع دابر الخونة الذين حاولوا التغرير والخداع على حساب امن وسيادة الأردن خاصة بعد أن جهزت هذه الزمرة الباغية علما جديدا للأردن ودستورا جديدا وغير ذلك ، ولعل الحسين طيب الله ثراه كان في مقدمة جنوده في حرب حزيران الذي قال عنها جلالته مسبقا أنها حرب ما أردناها مطلقا .
ولا زالت صورة الحسين مطبوعة في كل الأذهان وهو يمتطي الدبابة المعادية التي بقيت إلى جانب العديد من قطع السلاح الإسرائيلي الذي فروا من مواجهة الجيش الأردني في الكرامة عام 1968، وكانت قيادة الحسين الشجاعة لجيش صنع للأمة المجد والكرامة ، وكما يقول جلالته ( بالقليل من السلاح ولكن بالكثير من العزم والتصميم ) .
حقبة جلالة الملك الحسين طيب الله ثراه تستحق أن ندرسها لنعرف حجم الأخطار التي كانت تهدد الأردن ، وان نتعلم من مدرسة الحسين الشجاعة وبعد النظر والدبلوماسية التي تواجه الأزمات ، فقد خاض الحسين مواجهات شرسة ، وتعرض لأكثر من أربعة عشر محاولة اغتيال عدا عن المؤامرات الداخلية والخارجية ، ولعل القلوب تطير من مكانها وهي تتابع قصة محاولة اختطاف طائرة الحسين عام 1958م في الأجواء العربية ،وكيف قاد طائرته بحركات بهلوانية حتى تملص من المهاجمين له .
لقد عاش الأردن مراحل حرجة ودقيقة ،هي سردية خاصة تفيض بالصعاب وعشنا مع الحسين أحلك الأيام والصعاب التي تلونت بالأسود والأصفر والأخضر ولكن ما تلون قلب الأردني إلا بلون الوفاء والإخلاص والشجاعة والوفاء ،لقد عاش الحسين المعاناة بكل معانيها خاصة وهو يتعامل مع ملف القدس وملف المسألة الفلسطينية .
والآن ونحن نعيش مع جلالة الملك عبدالله الثاني ، فان الصورة اليوم لا تختلف عن الأمس ، ونعيش نفس حالات التهديد والتلون ، وان اختلفت الأساليب لتصبح أكثر خبثا ودهاء بعد فشل كل محاولات الماضي ، ولكن أيضا نعيش نفس حالة قوة الدبلوماسية وخبرة التعامل مع الأزمات في مرحلة عالمية مجنونة فيها دوامة نرى الكل يغرق فيها ،ولكن ما كان الاردن الا بنفس شجاعة ورؤية القيادة الهاشمية التي يقودها الملك عبدالله الثاني التي تستهدف الاستقرار والحرص على السيادة الأردنية وكرامة المواطن الأردني
هذا هو التاريخ الذي يعيد نفسه ، ولكن على الدوام يكون الأردني هو الوفي المخلص الذي يؤكد البيعة مع الهواشم ، ويؤكد أن الأردن هو وطن الكبرياء والهمة ، وانه الحصن المنيع والسد المكين في مواجهة كل محاولات المصدرين والمستوردين للحركات الزائفة ، وان الأردن يؤمن بقيادته الهاشمية وانه الشعب الذي يعتز بأنه واحد متحد ، وان جيشه وأجهزته الأمنية هي عنوان الاستقرار والسيادة .
هذا هو الاردن الي قد بدأ بتدوين سرديته التي ستكون غنية وحافلة بكل انواع الاحدث مع التركيز على الانسان الاردني الفاعل الحقيقي في كل مراحلها ما حاد عن قاعدة المواطنة السليمة ولا عن معاني الولاء والوفاء
نعيش مرحلة جديدة من التغيير والتطوير في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني ونستذكر قول جلالته بعيد جلوسه العاشر على العرش في 8 حزيران من عام 2009م وجلالته يقول :
(لقد كان الاردن ومازال اردن العروبة والاسلام، الوفي لرسالته وثوابته العربية والاسلامية ،وسيظل على وفائه للقضية الفلسطينية ، فهي قضية الاردن والاردنيين، مثلما هي قضية الفلسطينين ، وقد قدمنا في سبيلها قوافل الشهداء ،مثلما قدموا ، وتقاسمنا لقمة العيش معا ، وتحملنا معا ما هو فوق طاقتنا ، ومن حقهم علينا ان نستمر في دعمهم حتى يقيموا دولتهم المستقلة على ترابهم الفلسطيني ، فهم اهلنا واشقاؤنا ، ونحن الاقرب اليهم في الدم والقربى والمعاناة والمصير.)
رحم الله الحسين وطيب الله ثراه ، الذي خاطب ولي عهده عبدالله " إني لأتوسم فيك الخير وقد تتلمذت على يدي " ونحن نمضي نحو الخير والكبرياء و على العهد وعلى الأرض نصمد ونعمل ونبني وطن العزة والسؤدد والإباء.