هندسة الرعب لدى السياسي والإعلامي: حين تصبح المواجهة شرطًا للنجاح
جمعة الشوابكة
07-02-2026 11:13 AM
في عالمٍ مضطرب تتسارع فيه الأزمات وتتشابك فيه المصالح، لم يعد النجاح في السياسة أو الإعلام قائمًا على الخطاب الجميل أو الحضور الشكلي، بل على امتلاك ما يمكن تسميته بـ هندسة الرعب؛ أي القدرة الواعية على مواجهة التحديات دون إنكارها، وفهم المخاطر قبل الاصطدام بها، وإدارة الخوف بوصفه أداة وعي لا حالة شلل.
السياسي أو الإعلامي الناجح هو من يدرك أن العمل العام لا يُدار بردود الفعل، بل بخطط مدروسة تحدد الأهداف المعلنة وتقرأ ما هو غير معلن، وتفهم السياق قبل اتخاذ الموقف. فالرعب هنا ليس خوفًا سلبيًا، بل غريزة يقظة تحمي القرار من التسرّع، وتمنح صاحبه القدرة على تقدير العواقب قبل أن تقع.
ولا يمكن لهذه الهندسة أن تنجح دون معرفة حقيقية بمفاهيم العمل الدبلوماسي، وفهم أدوات الخطاب، وحدود القوة، وكيفية مخاطبة العقول لا الغرائز. فالتعامل مع الحدث، سياسيًا أو إعلاميًا، يتطلب فريقًا يحمل الأمانة، ويدرك حساسية المعلومة، ويضع مصلحة الوطن فوق أي مكسب شخصي أو لحظة شعبوية عابرة.
ومن حاسب نفسه قبل أن يُحاسَب، نجح أمام شعبه، بل قبل ذلك أمام أسرته الصغيرة. ومن فكّر في العواقب قبل الفعل، فاز ولو خسر جولة. أما من اتبع هواه، فقد يخسر وطنه ولو ظنّ نفسه منتصرًا. فالعدل في القول، والصدق في العمل، ليسا قيمًا أخلاقية فحسب، بل أدوات بقاء في العمل العام.
إن المعرفة هي العنوان الحقيقي للسياسي والإعلامي. فمن أبصر الواقع كما هو، فهمه وأحسن التعامل معه، ومن غاب عنه الفهم، تاه في الشعارات والضجيج. وبين هذا وذاك، تبقى هندسة الرعب مهارة لا يتقنها إلا من أدرك أن المسؤولية ليست منصبًا، بل امتحانًا دائمًا في الوعي والانضباط والصدق مع الذات قبل الآخرين.