الوصاية الهاشمية… نموذج دولة في التعايش
المحامي سلطان نايف العدوان
07-02-2026 10:54 AM
في لقاءٍ صحفي أجراه الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون مع المطران حسام نعوم، رئيس أساقفة الكنيسة الإنجليكانية في القدس، طُرح سؤال حمل دلالة عميقة:
كيف يمكن أن يكون هناك ملكٌ مسلم يدفع ويشرف على رعاية مواقع مقدسة مسيحية وإسلامية في القدس؟
ولنتفق أن السؤال لم يكن بحثًا عن معلومة، بقدر ما كان محاولة لفهم نموذجٍ للتعايش والسلام يُحتذى به، في توقيتٍ حاسم؛ فهو نموذج لا يشبه ما اعتاده كثيرون خارج هذه المنطقة.
كان السؤال، في جوهره، تعبيرًا عن اهتمامٍ بتجربة دولة استطاعت أن تجمع بين المسؤولية الدينية، والالتزام التاريخي، والرؤية السياسية في إطار واحد متوازن.
ولكي تكون القراءة منصفة، فإن الحديث عن دور جلالة الملك عبد الله الثاني حفظه الله في الوصاية الهاشمية يحتاج أن يُفهم ضمن سياق أوسع؛ سياق دولة تدرك رسالتها، وتعرف موقعها، وتدير دورها بثقة واتزان.
وتشهد الأحداث عبر العقود أن الوصاية امتدادٌ لعهدٍ تاريخي راسخ ارتبط بالوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس.
فحماية المقدسات في القدس تعبّر عن رؤية ترى في صون الإنسان والتاريخ قيمة راسخة.
الالتقاطة الأعمق في هذا المشهد أن المكانة تُبنى عبر الزمن، عبر تراكم الثقة، وعبر حضورٍ ثابت يجعل الدولة مرجعًا في لحظات التوازن الصعبة.
وهذا ما جعل الأردن حاضرًا بثقة، وموقعه راسخًا في محيطٍ متغير، لأن الاستقرار فيه خيار دولة يُدار بعقلٍ وبصيرة، وتُبنى ركائزه كل يوم عبر المؤسسات والقرارات المسؤولة.
وقد انعكس هذا الدور على مكانة الأردن وثقة مواطنيه، وكان الحفاظ عليه يتطلّب قرارات دقيقة في بيئة معقّدة، وهو ما جعل الاستقرار نتيجة لجهودٍ كان الحفاظ على المقدسات الدينية إحدى ركائزها الأساسية.
وفي هذا المعنى، يقدّم الأردن نفسه للعالم نموذجًا لدولةٍ ترى في حماية الإنسان وكرامته، وفي صون التاريخ ومعناه، جزءًا من تعريفها لذاتها، وجزءًا من دورها في محيطها والعالم.
ومن يقرأ المشهد بعمق يلتقط معنى يتجاوز تفاصيل السياسة اليومية:
حين يُسأل عن أجندة الأردن، فإن الإجابة حاضرة وواضحة؛ أجندة موضوعة على الطاولة، أساسها الأردن، وأساسها الإنسان، وأساسها أن تبقى هذه الأرض مساحة تعايشٍ وعقلٍ وحكمة في زمن تجردت فيه الكثير من القيم الإنسانية.
وقد أثبتت الظروف العسكرية التي مرّت بها المنطقة، بوضوحٍ قاطع، أن دور الأردن في حماية المقدسات هو جزء من حماية مستقبل المنطقة أيضًا.
وهنا، من المملكة الأردنية الهاشمية، يتجلى معنى الدولة التي تعرف ذاتها ورسالتها؛ دولةٌ جعلت من حماية الإنسان، وصون المقدسات، وترسيخ التعايش نهجًا راسخًا، حتى أصبح حضورها في هذا العالم مرجعًا للتوازن، وصوتًا للحكمة، ونموذجًا إنسانيًا يُحتذى به.