هل يمكن قياس الفساد الإداري؟
د. إبراهيم الخلوف الملكاوي
08-02-2026 11:50 PM
لطالما ارتبط الفساد الإداري في أذهان الناس بفكرة "المستحيل قياسه"، باعتباره سلوكًا خفيًا يُمارَس في الظل ولا يترك أثرًا مباشرًا يمكن رصده. لكن هذا التصور لم يعد دقيقًا، لا في الفكر الإداري الحديث ولا في تجارب الدول والمؤسسات التي نجحت في الحد من الفساد دون شعارات، بل بالأدوات والمنهجيات.
الحقيقة أن الفساد الإداري يمكن قياسه، وإن لم يكن بالطرق التقليدية المباشرة. فالعالم اليوم لا يقيس الفساد كجريمة فردية، بل كـ ظاهرة مؤسسية لها بيئة حاضنة ومؤشرات واضحة. عندما تتضخم الإجراءات دون مبرر، وتكثر الاستثناءات، وتغيب الشفافية في اتخاذ القرار، وتستبعد الحوكمة ومبادئها فهذه ليست أعراضًا عابرة، بل إشارات قابلة للرصد والتحليل.
القياس هنا لا يعني عدّ قضايا الفساد أو انتظار الأحكام القضائية، بل يتجاوز ذلك إلى تحليل نظم العمل نفسها. مؤسسات كثيرة بدأت تقيس الفساد من خلال مؤشرات زمن إنجاز المعاملات، وعدد الشكاوى، ونسب الالتزام بالإجراءات، ومستوى وضوح الصلاحيات، وحتى عبر استطلاعات تقيس شعور الموظف والمتعامل بعدالة النظام الإداري.
وتكتسب المؤشرات الدولية، مثل مؤشرات مدركات الفساد، أهمية خاصة ليس لأنها ترصد الوقائع، بل لأنها تكشف الاتجاهات العامة ومستوى الثقة في الإدارة العامة. فحين تتراجع الثقة، يكون ذلك إنذارًا مبكرًا بوجود خلل مؤسسي، حتى وإن لم تظهر القضايا إلى العلن بعد.
الأهم من ذلك أن التحول الرقمي غيّر قواعد اللعبة. فاليوم، تستطيع المؤسسات عبر تحليل البيانات اكتشاف الأنماط غير الطبيعية في التعيينات والمشتريات والعقود، والاستثناءات، ما يجعل قياس الفساد جزءًا من الإدارة الذكية، لا مجرد أداة رقابية لاحقة.
إن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يمكن قياس الفساد الإداري؟ بل: هل تملك مؤسساتنا الشجاعة لقياسه بصدق؟ فالقياس ليس إدانة، بل خطوة أولى نحو الإصلاح. والمؤسسات التي تجرؤ على النظر في المرآة، هي الأقدر على استعادة ثقة المجتمع وتحقيق إدارة عامة نزيهة وفعّالة.