الثقة لا تُكتب .. بل تُعاش وزارة الصحة مثالاً
الدكتور عبدالله سرور الزعبي
11-02-2026 09:19 PM
لم تكن الثقة بالحكومات يومًا نصًا قانونيًا جامدًا، بل علاقة ثقة حيّة تُختبر يوميًا في تفاصيل الحياة. حكومات تمثل الدولة، تلتزم بتقديم خدمة عادلة وكفؤة تحفظ كرامة الناس، ومواطن يبادلها بالانتماء للدولة، وتحمل الأعباء. وحين تضعف الخدمة العامة، لا تنهار الثقة دفعة واحدة، بل تتآكل بصمت، وتتسع الفجوة بين مؤسسات الدولة والمجتمع دون إعلان قطيعة، وهو أخطر أشكال التصدّع.
الأمور لا تُقاس بعدد الخطط والاستراتيجيات ولا بجودة الخطاب، بل بقدرة الحكومة، على جعل التعليم، والصحة، والنقل، والطاقة، والمياه، وغيرها، خدمات ممكنة، وعادلة، وغير مستنزِفة للدخل. فالمواطن يدفع كلفة مرتفعة لهذه القطاعات، لكنه كثيرًا ما لا يشعر أن المقابل يرتقي إلى مستوى ما يُحمَّل له.
خلال السنوات الماضية، لم تكن الثقة بين المواطن والحكومة في أحسن أحوالها، لا بسبب شحّ الموارد وحده، بل نتيجة تراكم الوعود التي لم تجد طريقها إلى الواقع. فعلى امتداد أكثر من عقد، سمع المواطن عن مشاريع كبرى في المياه والطاقة والتعدين والنقل وإصلاح التعليم، دون أن يلمس انعكاسًا حقيقيًا على جودة حياته. ومع كل وعد غير متحقق، كان الشرخ يتسع بين الخطاب والواقع.
في الدول الساعية إلى استقرار طويل الأمد، لا تُفهم الثقة، كشعار سياسي أو نص دستوري مجرد، بل كعلاقة يومية ملموسة بين الحكومة والمواطن، تُبنى على الثقة، وتُختبر في جودة الحياة لا في البيانات. فالثقة لا تقوى بالوعود، بل بالخدمات، ولا تُحفظ بالقوانين وحدها، بل بالإحساس العام بالعدالة والكفاءة والكرامة.
في الحالة الأردنية، لم تكن المشكلة يومًا في غياب الرؤية أو نقص التوجيه السياسي. فالتوجيهات الملكية المتكررة لإصلاح التعليم، وتحسين الخدمات الصحية، وتخفيف الأعباء المعيشية، واستعادة ثقة المواطن كانت واضحة، كما أن المتابعة الحكومية على مستوى رئاسة الوزراء لم تنقطع خلال الفترة الأخيرة. غير أن التحدي الحقيقي ظل يتمثل في تحويل كل ذلك إلى أثر يلمسه المواطن في حياته اليومية، لا في الخطاب ولا في النشرات الاعلامية.
التعليم، والصحة، والنقل، والطاقة، والمياه ليست قطاعات خدمية فحسب، بل أدوات سيادية تمس جوهر العلاقة بين المؤسسات والمواطن. وهي المجالات التي يدفع المواطن كلفتها من دخله. غير أن الخلل القائم هو أن هذه الكلفة لا تتناسب دائمًا مع جودة الخدمة، ما يدفع الأسر إلى استنزاف دخلها في التعليم الخاص أو الدروس الخصوصية، وفي النقل غير المنتظم، والطاقة المرتفعة الكلفة، وشح المياه. وحين يستمر هذا الخلل، لا يبقى اقتصاديًا فقط، بل يتحول إلى توتر اجتماعي مكتوم.
وزادت بعض التصريحات الرسمية من عمق هذا الشرخ بدل رأبه، كما حدث في قطاع المياه، حين صرّح وزير المياه بأن العدادات تحسب هواءً على المواطن، دون أن تتحمل الحكومة كلفة ذلك، وأُلقي عبء الإخفاق على المواطن، الامر الذي شكّل ضربة قاسية للثقة.
وكذلك في قطاعات الطاقة والتعدين، حيث تكررت الوعود الاستراتيجية الكبرى لعقود، عن استكشافات النفط والغاز بكميات ضخمة، وعن توقيع اتفاقيات كثيرة في قطاع التعدين، الا انها مازالت محصورة في الخطاب والوعود، ولم تحدث أي تغيير في المعادلة الاقتصادية الوطنية.
هذا التراكم لم يكن تقنيًا فقط، بل أصاب جوهر الثقة، ورسّخ شعورًا عامًا بأن السياسات الحكومية، تُدار بالكلام أكثر مما تُدار بالأثر.
الثقة في العصر الحديث تقوم على معادلة واضحة، التزام المواطن بالقانون والمشاركة وتحمل الأعباء، مقابل حكومة قادرة على تقديم خدمات أساسية ذات جودة، وبكلفة عادلة. وكلما اختلت هذه المعادلة، تحولت العلاقة من شراكة إلى توتر، ومن التزام طوعي إلى شعور بالإجبار، فتتآكل الثقة، مهما حسنت النوايا أو كثرت المتابعات.
وسط هذا المشهد المثقل بالإحباط، برزت إجراءات وزارة الصحة خلال الأشهر الأخيرة كنموذج مختلف. ليس لأنها مثالية، بل لأنها واقعية، وجريئة، وقابلة للقياس. نموذج أثبت أن تحسين الخدمة لا يتطلب بالضرورة موازنات ضخمة، بقدر ما يحتاج إلى وضوح وجراءة بالقرار، ومتابعة ميدانية، وانحياز صريح للمواطن.
خلال فترة قصيرة، بدأ المواطن يلمس تحسنًا حقيقيًا في الخدمات الصحية. جرى تفكيك قوائم الانتظار للتصوير بالرنين المغناطيسي التي كانت تمتد لعامين، بقرارات تنظيمية حاسمة رفعت كفاءة التشغيل وأنهت معاناة آلاف المرضى دون أعباء استثنائية على الخزينة. كما جرى تخفيض أسعار عدد من الأدوية وتحسين آليات صرفها، ما خفف الضغط المالي عن الكثير من المرضى وخاصة اصحاب الأمراض المزمنة. وتمكين خمسة مستشفيات حكومية موزعة جغرافيًا من إجراء عمليات القسطرة القلبية الفورية، وهو قرار سيادي ينقذ الأرواح ويعيد تعريف العدالة الصحية، خصوصًا في الأطراف. يضاف إلى ذلك تحسن ملموس في الانضباط والالتزام داخل المستشفيات والمراكز الصحية، وهو ما يعكس أثر المتابعة المباشرة والقرارات الواضحة، وبعيدًا عن منطق الزيارات الإعلامية التي تنتهي بنشر الخبر دون أثر، واخرها إعادة تفعيل المجلس الصحي العالي اعتباراً من بداية 2026، مما يعني العودة الى الحوكمة الصحية، وغيرها.
هذا التحسن لم يكن صحيًا فقط، بل نفسيًا واجتماعيًا. المواطن بدأ يشعر أن هناك من يستمع إليه، وأن الخدمة يمكن أن تتحسن، وأن تخفيف العبء ممكن، وأن الكرامة ليست شعارًا. وهنا تحديدًا تبدأ الثقة بالترميم، لا بخطاب تصحيحي، بل بإحساس يومي بأن الدولة تُخفف العبء بدل إعادة إنتاجه. كلها رسائل غير مكتوبة تقول للمواطن إن الخدمة العامة يمكن أن تكون كريمة وفعّالة.
ولا يمكن فصل هذه التحولات عن طبيعة القيادة الصحية نفسها. قيادة خرجت من رحم المعاناة الأردنية، طبيب خبر المستشفيات الحكومية وعايش اختناقاتها، فجاء القرار أكثر التصاقًا بالواقع، وأبعد عن البيروقراطية الباردة، وأعاد للسياسة الصحية بعدها الإنساني. هنا تكمن قوة الأثر، تحسين الصحة لم يعالج المرض فقط، بل بدأ يعالج الثقة.
ما فعلته وزارة الصحة يثبت أن تحسين الخدمة لا يتطلب دائمًا تشريعات جديدة أو موازنات ضخمة، بل شجاعة المواجهة، وكسر ثقافة التسكين، وربط الإدارة بالأثر لا بالتصريحات.
السؤال الجوهري اليوم لم يعد ماذا فعلت وزارة الصحة، بل، هل تجرؤ بقية الوزارات الخدماتية على الاقتداء بهذا المسار؟
إذا تحولت هذه الروح إلى نهج عام في التعليم، والنقل، والمياه، والطاقة، فإن الدولة لن تحتاج إلى إقناع المواطن، لأنه سيشعر بكل ذلك في تفاصيل حياته.
فما تحقق في الصحة يجب ألا يبقى استثناءً. فالتعليم، وهو معيار مستقبل الدولة، يعاني خللًا بنيويًا عميقًا سببه قرارات متناقضة وإدارة التغيير لم تبنى على سياسة عامة.
والأخطر أن تجارب التميّز التي نجحت فعليًا في كسر النمط التقليدي لم تُكافأ بالتعميم، بل حوصرت بالإقصاء. قيادات تعليمية إصلاحية، استطاعت خلال فترة وجيزة إعادة الانضباط، وتحديث البنية المؤسسية، والخروج من أزمات مالية خانقة، وتحقيق قفزات نوعية في الأداء والسمعة، وُوجهت بقوى شدّ عكسي نافذة، تراسها من كانوا في قمة الهرم التعليمي، وأصحاب مصالح ومسؤولين اعتادوا أن تُلبّى طلباتهم خارج منطق العدالة القانونية. وبدل تحويل النجاح إلى نموذج وطني، جرى تفكيكه، وإقصاء صانعيه، في رسالة واضحة مفادها أن الاختراق الحقيقي للنمط القائم ما زال ثمنه أعلى من احتماله داخل البنية التقليدية، والحديث هنا يطول.
هذه امثله مباشرة، عن كيفية أُجهاض النجاح، بطريقة او باخرى. السبب واضح، التميز بدا خطراً على منظومة اعتادت التسكين، وتسوية الجميع عند مستوى واحد، لا يجب تجاوزه، لأن التميز يفضح الإدارة الروتينية الراكدة، ويطرح سؤالًا محرجًا، لماذا لم نعمّم تجربة النجاح؟
هكذا تحوّل النهج إلى مساواة في التراجع او التسكين، لا في الجودة، فتكاثرت الشهادات، وتراجعت المهارات، وتضخمت البطالة، لينعكس الخلل على الثقة بالمؤسسات الوطنية.
ما يجري في وزارة الصحة اليوم ليست شأناً قطاعياً، بل اختبار سياسي وأخلاقي لقدرة الدولة على حماية الإصلاح من قوى الشد العكسي. فتمتين الثقة لا تبدأ من المؤتمرات ولا من تعديل الخطاب، بل من تفاصيل حياة الناس، من مدرسة جيدة، ومن مستشفى يُنقذ الحياة، ومن نقل يحترم الوقت، ومن طاقة ومياه لا تستنزف الدخل.
السؤال الجوهري لم يعد ماذا فعلت الصحة، بل، هل يجرؤ الاخرون على الاقتداء بهذا المسار؟ وهل نكافئ النجاح ونحميه، أم نعود ونُخضعه لمنطق التسكين حتى يفقد روحه؟
الدولة التي تنجح في صحة مواطنيها، قادرة على إصلاح تعليمهم، ونقلهم، ومياههم، وطاقتهم. وقادرة، قبل كل شيء، على استعادة ثقة مجتمعها قبل أن تتآكل بصمت.
هنا، فقط، تُستعاد الثقة، لا بوصفها وعدًا سياسيًا، بل واقعًا يُعاش. وفي زمن كثرت فيه الوعود وقلّ فيه الأثر، تُقدّم وزارة الصحة اليوم درسًا سياسيًا وإداريًا واضحًا، حين تختار الحكومة الفعل، تستعيد مكانتها، وحين تُحسن الخدمة، تُحصّن الثقة المجتمعية. ويبقى الرهان، هل يتحول هذا الاستثناء الإيجابي إلى قاعدة وطنية؟ ذلك هو التحدي الحقيقي لمرحلة ما بعد الشعارات.
*البرفسور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية