facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




صكوك الأفراد .. استثمار آمن للمدخرات


د. رامي كمال النسور
04-02-2026 11:46 PM

في عالم يتّسم بتصاعد الضغوط الاقتصادية، وتزايد تقلبات الأسواق المالية، واستمرار آثار التضخم على القوة الشرائية للأفراد، لم يعد السؤال المطروح هو كيف نُدّخر؟، بل أين وكيف نستثمر بوعي وأمان؟. فبالنسبة لشريحة واسعة من أصحاب المدخرات الصغيرة والمتوسطة، باتت الحاجة ملحّة إلى أدوات استثمارية توازن بين الحفاظ على رأس المال وتحقيق عائد منتظم دون الانزلاق إلى مخاطر مفرطة أو مخالفات شرعية. وفي هذا السياق، برزت صكوك الأفراد كأحد أكثر الحلول المالية نضجاً، بوصفها أداة استثمارية تجمع بين الارتباط بأصول حقيقية، والعائد المستقر، والالتزام الكامل بأحكام الشريعة الإسلامية، لتقدّم بديلاً عملياً وجاذباً للمستثمر الفرد في مرحلة تتطلب قرارات مالية أكثر حكمة وانضباطاً.

بداية إن صكوك الأفراد هي أوراق مالية إسلامية تصدرها الحكومات أو الجهات السيادية أو الشركات، وتكون موجهة بشكل خاص للأفراد، وبقيم اسمية منخفضة نسبياً، بما يتيح المشاركة فيها دون الحاجة إلى رؤوس أموال كبيرة. وتمثل هذه الصكوك حصص ملكية مشاعة في أصول حقيقية، أو منافع، أو مشاريع استثمارية قائمة، أو قيد التنفيذ، بخلاف أدوات الدين التقليدية القائمة على الفائدة.

وتُعد صكوك الأفراد من أنسب الأدوات لاستيعاب المدخرات الصغيرة، وذلك للأسباب الآتية:

- انخفاض الحد الأدنى للاكتتاب، ما يفتح الباب أمام شريحة واسعة من المجتمع للمشاركة في الاستثمار.
- سهولة الاكتتاب والإدارة، خصوصاً مع الاعتماد على القنوات الرقمية والبنوك المحلية.
- العائد المنتظم الذي يساعد الأفراد على التخطيط المالي وإدارة التدفقات النقدية الشخصية.
- بديل منظم وآمن عن الاكتناز أو الاحتفاظ بالسيولة غير المستثمرة.

والميزة الجوهرية لصكوك الأفراد أنها متوافقة مع الشريعة الإسلامية، حيث تقوم على مبادئ تحريم الربا والفوائد الثابتة. وكذلك الارتباط بأصول حقيقية ونشاط اقتصادي فعلي. ثم تأتي الميزة الأخيرة وهي تقاسم المخاطر والعوائد بين المصدر والمستثمر. مع خضوع هياكل الصكوك لرقابة هيئات شرعية متخصصة وهذا التوافق يعزز ثقة المستثمرين، لا سيما في المجتمعات الإسلامية، ويمنحهم طمأنينة شرعية إلى جانب الجدوى الاقتصادية.

ومن الجدير بالذكر أن صكوك الأفراد هذه تسهم بشكل مباشر في تعزيز الشمول المالي من خلال: دمج فئات جديدة من المجتمع في المنظومة الاستثمارية، ونشر الثقافة الادخارية والاستثمارية على أسس سليمة، تحويل المدخرات الفردية إلى قنوات إنتاجية تدعم الاقتصاد الوطني، وكذلك تقليل الفجوة بين المؤسسات المالية الكبرى والمستثمر الصغير.

إذا كان أحد الدروس الجوهرية التي أفرزتها التحولات الاقتصادية والمالية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة يتمثل في ضرورة إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمدخر الفردي، فإن مبادرات صكوك الأفراد تمثل التعبير العملي الأكثر نضجاً عن هذا التحول. فقد أدركت الحكومات أن تعميق الأسواق المالية لا يتحقق فقط عبر اجتذاب المستثمر المؤسسي أو الأجنبي، بل عبر تمكين المواطن والمقيم من أن يكون شريكاً مباشراً في تمويل الدولة واستقرارها المالي.

وفي هذا الإطار، جاءت مبادرة «صكوك الأفراد (الصكوك المجزأة) التي أطلقتها وزارة المالية في دولة الإمارات، بوصفها خطوة متقدمة تتجاوز البعد الادخاري التقليدي. فإتاحة الاستثمار في صكوك الخزينة الحكومية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية بحد أدنى يبلغ 4,000 درهم إماراتي، مع عوائد ثابتة وتوزيعات نصف سنوية، وإدارة رقمية كاملة عبر البنوك الوطنية، تعكس نقلة نوعية في فلسفة التمويل السيادي، قوامها توسيع قاعدة المستثمرين المحليين، وتحويل المدخرات الصغيرة من حالة الجمود أو الاستهلاك إلى أداة فاعلة في دعم الاستقرار المالي للدولة، وبناء ثروة فردية منضبطة المخاطر.

وكذلك ما تمثله التجربة السعودية عبر برنامج صكوك المملكة المحلية بالريال السعودي (صح)، الذي تصدره حكومة المملكة من خلال وزارة المالية، وبالتنسيق مع المركز الوطني لإدارة الدين. فهذا البرنامج لا يهدف فقط إلى تمويل الاحتياجات السيادية، بل يسعى بوضوح إلى ترسيخ سوق دين محلية عميقة، وتعزيز الاعتماد على العملة الوطنية، وإتاحة أدوات استثمارية شرعية وآمنة للأفراد والمؤسسات. والأهم من ذلك أنه يرسّخ قناعة مفادها بأن الاستدامة المالية لا تُبنى بالسياسات فقط، بل بمشاركة المجتمع في تحمل المسؤولية والاستفادة من العائد.

في المحصلة، تمثل صكوك الأفراد في الإمارات والسعودية نموذجاً متقدماً لكيفية توظيف الأدوات المالية الإسلامية في خدمة أهداف اقتصادية أوسع، تجمع بين الاستقرار المالي، والشمول الاستثماري، وبناء الثقة طويلة الأجل بين الدولة والمستثمر الفرد، وهي معادلة مرشحة لأن تشكل ركيزة أساسية لأسواق المال الخليجية في المرحلة المقبلة.

وفي هذا الصدد لا تقتصر أهمية صكوك الأفراد على المستثمر فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد ككل، حيث توفّر مصادر تمويل مستدامة للمشاريع الحكومية والبنية التحتية، وتقلل الاعتماد على التمويل الخارجي أو الاقتراض التقليدي وتعزز سوق أدوات الدخل الثابت الإسلامية، كما تدعم استقرار الأسواق المالية من خلال قاعدة مستثمرين محليين واسع.

وبالمقارنة مع الودائع البنكية التقليدية أو المضاربة المباشرة في الأسهم، تتميز صكوك الأفراد ب مخاطر أقل نسبياً من الأسهم، وتحقيق عائد أفضل في كثير من الأحيان من الودائع التقليدية، وكذلك التزام شرعي كامل، بخلاف بعض البدائل المختلطة، مع وضوح في الهيكل والحقوق والالتزامات.

ختاماً تمثل صكوك الأفراد نموذجاً متوازناً يجمع بين الأمان، والعائد، والالتزام الشرعي، والشمول المالي وهي ليست مجرد أداة استثمارية، بل وسيلة استراتيجية لتوظيف المدخرات الصغيرة في خدمة التنمية الاقتصادية، وتعزيز الاستقرار المالي، وبناء ثقافة استثمارية مستدامة لدى الأفراد. ومع تطور الأطر التنظيمية وزيادة الوعي المجتمعي، يُتوقع أن تلعب صكوك الأفراد دوراً متنامياً في أسواق المال العربية والإسلامية خلال السنوات القادمة.

"صحيفة الخليج"





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :