الملكة رانيا العبدالله في الهند: صوت المرأة الأردنية إلى العالم
د. سناء العبابنة
14-02-2026 08:15 PM
في مشهدٍ تتقاطع فيه الدبلوماسية الثقافية مع الرسالة الإنسانية، برز حضور جلالة الملكة رانيا العبدالله في الهند حاملاً صورة الأردن الحديثة، ومجسّداً دور المرأة الأردنية بوصفها شريكاً أصيلاً في صناعة الوعي والقرار والتنمية. ولم تكن المشاركة مجرّد حضورٍ بروتوكولي في مؤتمر دولي، بل بدت فعلاً رمزياً كثيف الدلالات، يؤكد أن الصوت النسوي الأردني بات جزءاً من الحوار العالمي حول التعليم والتمكين والعدالة الاجتماعية.
في كلمتها خلال المؤتمر، شدّدت جلالتها على أن «التعليم ليس ترفاً، بل هو حقٌّ أساسي وأقوى استثمار يمكن أن تقوم به أي أمة في مستقبلها»، مؤكدةً أن المجتمعات التي تُقصي نساءها أو تُهمّش طاقاتها إنما تُضعف نفسها بيدها. وأضافت أن «تمكين المرأة لا يعني منحها فرصة فحسب، بل الاعتراف بدورها كشريك كامل في صنع التغيير»، في إشارةٍ واضحة إلى أن العدالة الاجتماعية تبدأ من إتاحة الفرص المتكافئة للجميع.
ولم يخلُ خطابها من بُعدٍ إنساني عميق، إذ قالت: «حين نستثمر في الطفل، فإننا نستثمر في السلام؛ وحين نمنح الفتاة فرصة التعلّم، فإننا نمنح المجتمع بأسره فرصة للنهوض». بهذه العبارات الموجزة المكثّفة، أُعيدت صياغة الأولويات التنموية بلغةٍ أخلاقية تستنهض الضمير العالمي، وتربط بين التعليم والاستقرار والازدهار.
وجاء الحضور في سياقٍ يعكس إدراكاً عميقاً لأهمية الحوار العابر للثقافات، حيث بدت صورة المرأة الأردنية واضحة المعالم: امرأةٌ متعلمة، فاعلة، قادرة على التأثير في محيطها المحلي والدولي. وقد قُدّم نموذجٌ للقيادة النسوية التي لا تكتفي بالمشاركة، بل «تسعى إلى تحويل التحديات إلى فرص»، كما ورد في الخطاب.
وفي سياق اهتمامها بالهوية الثقافية، ركّزت جلالتها في نشاطها اليوم على أهمية صون التراث ونقله إلى الأجيال القادمة، باعتباره ركيزةً للانتماء ووعياً متجدداً بالجذور. وأكدت أن الحفاظ على الموروث الثقافي لا يعني الجمود عند الماضي، بل استثماره في بناء الحاضر وصياغة المستقبل، مشددةً على دور التعليم والأسرة والمؤسسات الثقافية في ترسيخ هذا الإرث في وجدان الشباب. وبهذا الطرح، جمعت بين الحداثة والهوية، وقدّمت رؤيةً ترى في التراث طاقةً حيةً تُغذّي الإبداع وتعزز الاستقرار المجتمعي.
إن دلالة هذه المشاركة تتجاوز حدود الحدث الآني؛ فهي تعيد التأكيد على أن الأردن، رغم محدودية موارده، يمتلك رأس مالٍ بشرياً قادراً على الحضور المؤثر في المحافل العالمية. وفي القلب من هذا الحضور تقف المرأة الأردنية، التي أثبتت—في التعليم والسياسة والاقتصاد والعمل المجتمعي—أنها شريكٌ كامل الأهلية في مسيرة الدولة.
لقد بدت الملكة رانيا في الهند سفيرةً لقيم الاعتدال والانفتاح، وصوتاً عربياً عقلانياً في زمنٍ تتكاثر فيه الصور النمطية وسوء الفهم. ومن خلال مشاركتها الفاعلة، أُعيد تسليط الضوء على أن «المستقبل الذي نطمح إليه لا يُبنى بالإقصاء، بل بالشراكة». وهكذا، جاء الحضور ليؤكد أن المرأة الأردنية ليست حاضرةً في المشهد الدولي على هامشه، بل في صميمه، مساهمةً في صياغة مستقبلٍ أكثر عدلاً وتوازناً.