المفاوضات الأمريكية الإيرانية
محمد نور الدباس
14-02-2026 08:31 PM
القاعدة الشائعة في الذهن السياسي هي أن المفاوضات تأتي بعد الحرب، وليس قبلها، لكن لجوء الولايات المتحدة الأمريكية إلى التفاوض مع إيران قبل اندلاع مواجهة عسكرية كبرى يمكن تفسيره وتبريره من خلال جملة اعتبارات استراتيجية وسياسية، منها التفاوض كأداة من أدوات الصراع لا بديلاً عنه، ففي العلاقات الدولية، التفاوض ليس دائماً علامة تهدئة، بل قد يكون وسيلة لإدارة الصراع بدل تفجيره، وقد يكون أداة لاختبار نوايا الخصم وحدود تنازلاته، وقد يكون طريقة لكسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق، فالولايات المتحدة الأمريكية تستخدم المباحثات هنا باعتبارها امتداداً للصراع بأدوات أقل كلفة من الحرب.
ومن هذه الاعتبارات أيضاً أن كلفة الحرب مع إيران مرتفعة وغير مضمونة، فالحرب مع إيران تختلف عن حروب تقليدية سابقة، لأن إيران ليست دولة معزولة عسكرياً أو جغرافياً، ولديها نفوذ إقليمي وأذرع غير نظامية قادرة على إشعال عدة ساحات، ولأن أي حرب قد تهدد أمن الطاقة والملاحة الدولية، لذلك ترى الولايات المتحدة أن التفاوض أقل كلفة من الحرب وأقل خطراً على الاستقرار العالمي.
ومن الاعتبارات أيضاً منع إيران من امتلاك هامش شرعية دولية بعد الحرب، فالتاريخ يُظهر أن بعض الدول خرجت من الحروب أقوى سياسياً وأكثر شرعية، ويُظهر أن التفاوض المسبق قد يقيّد إيران بشروط والتزامات قبل أن تدخل أي مواجهة، بمعنى آخر فإن واشنطن تفضّل اتفاقاً ناقصاً الآن على حرب قد تفرض عليها اتفاقاً أسوأ لاحقاً.
ومن الاعتبارات أيضاً التحولات في ميزان القوى الدولي، في ظل تراجع القدرة الأمريكية على فرض الإرادة منفردة، وفي ظل صعود قوى دولية منافسة، وفي ظل أن الحرب أصبحت خياراً محفوفاً بالمخاطر السياسية، وليس فقط العسكرية، فالتفاوض هنا يعكس براغماتية القوة العظمى عندما تتغير موازين الردع.
ومن الاعتبارات أيضاً احتواء السلوك الإيراني لا إسقاط النظام، فالمباحثات لا تعني قبول الولايات المتحدة بإيران كما هي، بل تعني محاولة ضبط سلوكها الإقليمي والنووي، وتعني تأجيل أو منع الانفجار الكبير، وتعني إدارة الصراع ضمن سقف يمكن التحكم به، وهذا يختلف عن منطق “الحسم العسكري” الذي لم يعد مضمون النتائج.
ومن الاعتبارات أيضاًإن الداخل الأمريكي عامل حاسم، فأي حرب جديدة مكلفة اقتصادياً، وغير شعبية داخلياً، وتأتي في سياق إرهاق أمريكي من الحروب الطويلة، وبالتالي، التفاوض يُستخدم أيضاً كخيار سياسي داخلي وليس فقط دبلوماسي خارجي.
ومن هنا نقول إن التفاوض قبل الحرب أو أثناء التهديد بها هو نمط متكرر في سلوك القوى الكبرى، وليس استثناءً، ومن الأمثلة على ذلك أزمة الصواريخ الكوبية (1962)، حيث تم التفاوض على حافة الحرب، كسابقة في أزمة الصواريخ الكوبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، من منطق أن العالم كان على شفا حرب نووية، على الرغم التفوق العسكري الأمريكي، فُضِّل التفاوض السري بدل الضربة العسكرية، وكانت النتيجة سحب الصواريخ السوفييتية من كوبا مقابل تنازلات أمريكية غير معلنة، ودلالة ذلك أن التفاوض هنا لم يكن بعد الحرب، بل لمنع حرب كان يمكن أن تغيّر النظام الدولي، ووجه التشابه مع إيران يظهر في أنه كما خشي الأمريكيون من التصعيد النووي مع موسكو، تخشى واشنطن اليوم من انزلاق نووي أو إقليمي واسع مع طهران.
ومن الأمثلة أيضاً الانفتاح الأمريكي على الصين (1971–1972): التفاوض مع “العدو” كسابقة تتمثل بزيارة ريتشارد نيكسون إلى الصين، ومنطقها أن الصين كانت خصماً أيديولوجياً وعسكرياً، ولم تسبق التفاوض حرب مباشرة بين الطرفين، والهدف الحقيقي كان يتمحور حول احتواء الصين لا إسقاطها، وتوظيف التفاوض لإعادة تشكيل التوازن الدولي، ووجه التشابه مع إيران أن واشنطن لا تفاوض طهران لأنها “تصالحت معها”، بل لأنها تريد إدماجها القسري في قواعد لعبة دولية مضبوطة بدل تركها خصماً مطلقاً خارج النظام.
ومن الأمثلة أيضاً الحرب الكورية، حيث جرى التفاوض أثناء الحرب لا بعدها، وبدأت المفاوضات بينما كانت المعارك مستمرة، والاتفاق لم يُنهِ الحرب قانونياً بل جمّدها، والدلالة هنا أن التفاوض يُستخدم أحياناً لتجميد الصراع عندما يصبح الحسم مستحيلاً أو مكلفاً، ووجه التشابه مع إيران أن الولايات المتحدة تدرك أن إسقاط النظام الإيراني أو إخضاعه عسكرياً غير مضمون، فتلجأ إلى التجميد والاحتواء عبر التفاوض.
فالتاريخ يُظهر أن القوى الكبرى لا تنتظر الحرب دائماً لتفاوض، بل تفاوض عندما تدرك أن الحرب مكلفة، وغير مضمونة، أو قد تنتج واقعاً أسوأ، وبالتالي، فالمباحثات الأمريكية مع إيران تنتمي إلى مدرسة “التفاوض كبديل عن الحرب السيئة، لا كبديل عن الصراع نفسه.”
خلاصة القول إن لجوء الولايات المتحدة الأمريكية إلى المفاوضات والمباحثات مع إيران لا يعني ضعفاً بقدر ما يعكس إدراكاً بأن الحرب لم تعد أداة مضمونة النتائج، وبقدر رغبتها في تقييد الخصم قبل أن يفرض شروطه بالقوة، وانتقالاً من منطق “الحسم” إلى منطق “الإدارة الطويلة للصراع”.