آن أوان كسر المعادلة: البلديات التنفيذية لا تُدار بالعواطف الانتخابية
د.عبدالله القضاة
15-02-2026 02:15 PM
لنبدأ من الحقيقة التي نتجنب قولها: نظام انتخاب رؤساء بلديات مراكز المحافظات لم يُنتج دائمًا أفضل إدارة ممكنة. قد يكون أنتج تمثيلًا اجتماعيًا، وقد يكون حقق توازنات محلية، لكنه في كثير من الحالات لم يُنتج قيادة تنفيذية بمستوى التحديات التنموية والمالية التي تواجهها هذه البلديات.
والسؤال الجوهري اليوم، مع مراجعة قانون الإدارة المحلية، ليس سياسيًا بل إداريًا: هل نريد إدارة بلدية احترافية… أم دورة انتخابية متكررة؟
تجربة بلدية عجلون الكبرى خلال العام الماضي وضعت هذا السؤال على الطاولة بقوة. رئيس مُعيَّن، غير خاضع لحسابات إعادة الانتخاب، عمل بعقلية تنفيذية صِرفة: إعادة هيكلة ملف النظافة، ضبط الأداء بالأنظمة الذكية، توسيع أعمال الطرق، رفع الجاهزية للطوارئ، تسويات مالية، ضبط إنفاق، وتفعيل التحول الرقمي. لم تكن المسألة خطابًا، بل نتائج يمكن قياسها ميدانيًا.
وهنا يجب أن نمتلك الجرأة لنقول: الانتخاب في المواقع التنفيذية الخدمية الكبرى قد يكون جزءًا من المشكلة، لا الحل. ليس لأن الانتخاب خطأ، بل لأننا نخلط بين “التمثيل السياسي” و“الإدارة التنفيذية”.
رئيس بلدية مركز محافظة اليوم يدير: موازنات بعشرات الملايين، عقودًا ومشاريع استراتيجية، بنية تحتية معقدة، ملفات استثمار وسياحة، وضغوطًا اجتماعية واقتصادية متشابكة. هذه وظيفة “مدير مدينة محترف”، لا وظيفة “مرشح جماهيري”. حين يصبح القرار رهين الشعبية، تتراجع القرارات الصعبة، و حين يخشى المسؤول خسارة قواعده الانتخابية، تتأجل الإصلاحات، وحين تُغلب الاعتبارات الاجتماعية على المهنية، تدفع المدينة الثمن.
لنكن أكثر صراحة؛ العديد من رؤساء البلديات المنتخبين كانوا أسرى التوازنات المحلية، ليس ضعفًا شخصيًا، بل نتيجة طبيعية لآلية الاختيار. الإصلاح الحقيقي لا يعني إلغاء الديمقراطية، بل تصحيح موضعها.
المعادلة المنطقية واضحة: التعيين للكفاءة التنفيذية، الانتخاب للرقابة والتمثيل. تعيين رؤساء بلديات مراكز المحافظات وفق معايير صارمة للكفاءة والخبرة الإدارية، مع إبقاء أعضاء المجالس منتخبين لضمان المساءلة الشعبية، ليس انتقاصًا من الديمقراطية، بل تنظيمًا عقلانيًا لها، الديمقراطية ليست طقسًا انتخابيًا، بل نظام مساءلة، والمساءلة يمكن أن تتحقق دون أن يكون كل منصب منتخبًا.
إذا كنا نتحدث عن تحديث سياسي حقيقي، فلا يمكن أن تبقى الإدارة المحلية خارج جرأة الإصلاح، وإذا كنا نؤمن بأن مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، فعلينا أن نُخضع التجربة للتقييم لا للشعارات.
السؤال اليوم أمام صانع القرار بسيط لكنه حاسم: هل نحافظ على معادلة تقليدية لأنها مألوفة؟
أم نعيد هندسة المنظومة لأنها تحتاج إلى تطوير؟
تجربة عجلون ليست قصة نجاح فردي، بل اختبار عملي لنموذج مختلف، ونموذج أثبت فاعليته لا يجوز تجاهله فقط لأنه يصطدم بالمألوف. اللحظات المفصلية في التشريع لا تتكرر كثيرًا.
والدولة التي تتقدم… هي الدولة التي تملك شجاعة الاعتراف بالحاجة إلى التغيير.
قد لا يعجب الطرح الجميع، لكن الإصلاح الحقيقي لم يكن يومًا نتاج الإجماع… بل نتاج القرار.
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام ومدير عام معهد الإدارة العامة سابقاً