facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مع الكاتب والإعلامي المعروف أحمد سلامة وسردياته العمّانية والفكرية


د مجد الدين خمش
15-02-2026 02:21 PM

في سرديتة النثرية المشوّقة " آل ...عمّان" يُدخلك الكاتب والإعلامي أحمد سلامة إلى عالم النخب السياسية الأردنية في النصف الثاني من القرن الماضي، وعلاقاتها الاجتماعية والشخصية، وتحالفاتها السياسية المتوائمة حينا، والمتنافسة أحيانا ضمن مصالح الوطن، وثوابت القيادة الهاشمية العليا. كيف نُصنف سردية أحمد سلامة؛ هل هي سيرة ذاتية لعصامي جمع طيبة الريف وجاذبية المدينة في شخصيته، أم دراسة عن النخب السياسية وعلاقاتها، والناس والأمكنة والتفاعلات مع تحوّلات الزمان. أم مجموعة من الملاحظات النفسية قدمت بأسلوب قصصي، وبلغة روائية مبسطة لكن مفاجئة، وجذابة مفعمة بالأمل، والحنين، وشغف الانتماء. أم هي مجموعة من التحليلات السياسية، والاجتماعية والتاريخية عن الأحداث والظروف السياسية والاجتماعية شهدها الأردن بعيد منتصف القرن الماضي، قدمت بأسلوب روائي جذاب، ودعمت بحبكة، أو حبكات مبسطة مفعمة بالعصامية، والحنين، والعلاقات الاجتماعية الإيجابية. هي في الواقع ذلك كُله، فهي سيرة عصامي ناجح، وسيرة النخب السياسية الأردنية، وسيرة جيل من العصاميين الذين ارتبطوا بالكاتب، أو ارتبط بهم في مراحل حياتية متنوعة. وهي أيضا، وأولاً سيرة عمّان وتطورها السريع، المدينة الطيبة التي فتحت أمامهم جميعا قلبها بالمودة والمؤازرة، والاهتمام، ومهدت لهم الفرص المناسبة للعمل والحياة والصعود الاجتماعي- الاقتصادي، بل والسياسي في العديد من الحالات. وهو ما وثّقه أيضا محمد داودية في سرديته الموسومة ب " من الكسارة إلى الوزارة"، مبرزا الأمكنة الأردنية، والأزمنة وشروطها في تفاعلها جميعا مع العصامية النبيلة. وما وثقه صبري إربيحات في سرديته الموسومة ب " وكأنّي لا زلت هناك" موثقا نُبل المدينة، عمّان، ودعمها لأبنائها من الريف والبادية، وأحياء عمان المتنوعة، وغيرهم من الروائيين والكتّاب.

وحين يتحدث عن ذكريات الجامعة الأردنية، مستذكرا الأساتذة ومزاياهم المعرّفة بهم، والاندماج الكبير في الحياة الجامعية أكاديميا، ونشاطات مصاحبة للمنهاج، وأعمال تطوعية في خدمة المجتمع ما يجعلنا نعيش من جديد جمال وحيوية السبعينيات من القرن الماضي. وحين يعيد سلامة تصوير الحياة الطلابية في الجامعة وحولها، والحياة الاجتماعية والسياسية في عمان والأردن بشكل عام نشعر بما في ذلك العقد من حيوية، وآمال، ونمو شخصي، وسياسي، ومجتمعي واكب نمو الجامعة وتطورها. وجهود الدولة في التطوير والتنمية في المدن، والبادية، والأرياف. " من لم يعش السبعينيات في عمان فاته الكثير"، يردد الأديب والإعلامي أحمد سلامة، خصوصًا في رحاب الجامعة الأردنية الليبرالية الأسرية.

وفي رواية "الحافر" الصادرة حديثا يقرأ سلامة التاريخ، والعلاقات، والحركات الكفاحية، ليعيد تشكيل الوعي الوطني ودعم مسيرة التحرر والتقدم الاقتصادي والاجتماعي. معلنا أن الكلمة الوطنية الصادقة تترك أثرها في النفوس، كما الحافر يترك أثره في التربة الصلبة. " أمجد كرامي"، اليساري الثوري، والقيادي في حركة المقاومة الفلسطينية للاحتلال الصهيوني خلال السبعينيات من القرن الماضي، هو الشخصية الرئيسية في الرواية. وهو اسم محمّل بالكثير من الدلالات الرمزية، خصوصا إعادة المجد المفقود، والكرامة المستباحة بعد هزيمة العام 1967م. وتتبدى الرمزية في أوضح دلالاتها في استنبول، المدينة التي تجمع الشرق مع الغرب جغرافيا وحضاريا، والتي تذكّر دوما بطغيان التأثيرات الحضارية الغربية، ومدى اضطراب العلاقات التاريخية بين العرب والعثمانيين. وفي الحوار المتشعب بين أمجد وإيفا الإيطالية الجميلة، قوية الشخصية، أستاذة القانون الدولي يتحول اللقاء بينهما بعيدا عن الإعجاب العاطفي المتوقع إلى مناقشات أيديولوجية عن الشرق والغرب، وتحولات العلاقة بينهما أشبه ما تكون بالصدام المبطّن بالاستعلاء. إيفا تمثل الغرب باستقلاليته، وعلومه، وعقلانيته، بينما يقف "أمجد" في مربع الدفاع الحضاري بين الشرق والغرب، مستذكرا العلاقات بينهما التي حفرت عميقا في وجدان الشعوب الشرقية، كما الحافر يترك آثاره في التربة الصلبة.

الخبرات الأخرى التي حفرت عميقا في ذاكرة أمجد قصة حبه التراجيدية مع "نسرين" العمّانية أثناء دراستهما في الجامعة، واضطراره بسبب ضيق ذات اليد، وواجب المسؤولية، وبعد رجاءات عاطفية حارة من والدتها، للتخلي عنها لتتزوج من شخص ميسور متغرب في أستراليا. ولكنه الحنين يعود إليه، وهو في طهران، ويدفعه من جديد للاتصال بها في سيدني ثم استقبالها بعد أيام قليلة في استنبول. وبعد المعاتبات الحميمة، والبكاء الطويل يعودان لتذكر أيام حبهما في عمّان. ولكن الزيارة تنتهي بالخلاف، وينسحب أمجد بحدة، وتعود نسرين حانقة إلى سدني. وفي قصة حبه القصيرة الأخرى في المغرب مع الأصيلية "بثينة" تشعر أنه وجد حبه الحقيقي، وأنه سينعم بالاستقرار العاطفي، لكنه من جديد، وبشكل مفاجئ غير متوقع، ينسحب بحدة وينهي العلاقة، وسط ذهول "بثينة"، وشعورها بالمهانة. فهي لا تدرك أن أمجد لا يقصدها، وإنما يقصد معاقبة نفسه بحرمانها مما يسرُّها، علّه بذلك يستعيد حبه الأول، "نسرين".

وحين تعتقد كقارئ أنك اكتشفت لغز " الحافر" ومعناه، يفاجئك الكاتب من جديد بأن الحافر شيئا آخر، خصوصا وأنه في الجزء الثالث من الرواية، المعنون " صمت القصور" يضع عنوانا فرعيا في بدايته، وهو " الحافر.. السّر". فتسعدُ أنه سيشي إليك بالسر، لكنه لا يفعل. وفي نهاية الرواية تتأكد كقارئ، أو ناقد للرواية، أن الحافر ليس واقعا ماديا على الأرض، بل إنه الفراق الحزين للوطن والحبيبة؛ هذا الفراق الحزين هو الحافر الذي يترك آثارًا في الذاكرة لا تُمحى.

أحمد سلامة، عاشق لعمان، وللأردن، كما لنابلس، ولبدّيا، وكل المدن والقرى، وأهلها الطيبون المنتمون للوطن، وقيادته الهاشمية الحكيمة، ورسالته القومية. قريب من الناس، وقريبون منه، كما كان دوما ولا يزال هنا في الآن، وهناك في الأمكنة، والأزمنة الماضية، يحب الناس ويحبونه، يكتب عنهم ولهم، مهما تزايد العدد، وبعُدت الأمكنة، وتنوعت. ويكتب عن عشرات الشخصيات السياسية، والأكاديمية، والقرى والمواقع بحب وانتماء ووفاء مستثمرا في ذلك حصافته السياسية، وأسلوبه الذكي المشوب بالرومانسية، وروحه الاجتماعية، وملكاته الإعلامية ليبرز التميز النفسي- الاجتماعي لمن يكتب عنهم ومعهم عن أماكنهم، وأزمنتهم، وإنجازاتهم. هل شارك هؤلاء جميعهم، كما الأمكنة في إنتاج هذه السردية الطويلة؟ إذ بالرغم من أن السارد، وهو نفسه المؤلف والكاتب، يعتبر بلغة النقد الأدبي من النوع المتحكم الذي يمسك بمفاصل النص، وحركة الشخصيات، والأحداث، وينتقي العلاقات، ويوجه التفاعلات. إلا أن هذه الشخصيات، وكذلك الأمكنة تشارك جميعها في السرد إلى جانب الكاتب، خصوصا من خلال تقنية "الفلاش باك". ذلك أن تقنية تعدد الشخصيات وتفاعلاتها، وتناوب تحركها للماضي والحاضر، وقد استثمرت بكثافة في السرد، هي مشاركة جماعية بالفعل تُوصل أصواتا متعددة لتضيف إلى السرد تجاربها، ومعاناتها الماضية والحاضرة، وتصوراتها حول الحياة والأحداث. كما تقدم رؤاها المستقبلية في إطار المكان العماني والأردني، والفلسطيني، والعربي، بل وأبعد من ذلك أيضا. فتقنية " تعددية الأصوات" التي يعتبرها النقاد الأدبيون من معايير التحديث في الرواية والأدب عموما تم استيعابها والاستفادة منها، بدمجها بتقنيات إعلامية مؤثرة، مما زاد من قرب السرديات الأحمدية من الناس وإقبالهم عليها.

mkhameshh@gmail.com





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :