facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إعادة التفاوض على النظام الدولي .. من إصلاح المؤسسات إلى اختبار البديل


د. عامر السبايلة
15-02-2026 11:06 PM

لم يعد دخول النظام الدولي في مرحلة مخاض التحول أمراً خافياً على أحد، فملامح التغيير واضحة، والمرتكزات التي تشكّل عليها العالم بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية أصبحت موضع مراجعة عميقة على مختلف المستويات، الفكرية والسياسية والمؤسسية.

منذ وصول إدارة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، تعاملت مع النظام الدولي باعتباره واقعاً قديماً يحتاج إلى إعادة صياغة. سواء عبر الخطاب المباشر، أو الإجراءات البديلة، أو التحرك العملي على الأرض، كلها مؤشرات تعكس رؤية تعتبر أن المنظومة الحالية فقدت كثيراً من فعاليتها.

تجاوز الطرح الأميركي حدود الانتقاد إلى مساءلة جدوى التحالفات والتكتلات نفسها. ولم يعد الحديث مقتصراً على الدعوة لإصلاح المؤسسات الدولية، بل امتد إلى الانسحاب من بعضها، في سياق يبدو أقرب إلى إعادة تعريف الشرعية تمهيداً لطرح بدائل.

في هذا الإطار، برز ما سُمّي بـ"مجلس السلام"، الذي طُرح بداية لوقف الحرب في غزة، قبل أن يتوسع إلى فكرة ذات بعد دولي. وبصرف النظر عن مآلاته، فإنه يعكس توجهاً نحو إنشاء مسار موازٍ للمنظومة الحالية، أو على الأقل آلية تتجاوز بطء القرار الدولي وتعقيداته وحتى عدم فاعلية مؤسساته.

في مؤتمر ميونخ للأمن، جاءت تصريحات المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أكثر وضوحاً، حيث تم الحديث بصراحة عن "تجديد الأمم المتحدة وفق رؤية أميركية". هذا المسار يعكس استراتيجية مزدوجة: الحفاظ على الإطار القائم من جهة، والسعي إلى إعادة تشكيله من الداخل من جهة أخرى، مع إبقاء خيار البديل الموازي حاضراً في المعادلة.

التأكيد على ضرورة إعادة هيكلة الأمم المتحدة والعودة إلى "أساسياتها" — حفظ السلام وصنعه — يحمل في طياته إقراراً بأن التعددية بصيغتها الراهنة لم تعد قادرة على إدارة الصراعات المعاصرة بالكفاءة المطلوبة. كما أن الإشارة إلى أن الرئيس ترامب يعتزم أن يفعل بالأمم المتحدة ما فعله بحلف شمال الأطلسي تعكس رؤية تعتبر أن فرض الانضباط واستعادة الفاعلية أولوية، حتى لو تطلب الأمر احتكاكاً مؤسسياً حاداً.

الرسالة الأعمق هنا أن إدارة ترامب لا ترى نفسها مجرد فاعل ضمن النظام الدولي، بل قوة تسعى إلى إعادة تعريف قواعده. فالإشارة إلى إنقاذ العالم من أزمات أوكرانيا، وغزة، وإيران، والحوثيين، وأزمات الهجرة في أمريكا الجنوبية، لا تُقدَّم كتوصيف لأحداث فحسب، بل كتبرير لدور قيادي يُعاد تأسيسه على قاعدة فائض القوة واستخدامه كأداة إعادة ترتيب.

ما يجري يمكن قراءته كمرحلة ثانية في مشروع إعادة تشكيل شكل النظام الدولي وآلية اتخاذ القرار فيه. واستخدام فائض القوة — أو التلويح به — يبدو جزءاً من أدوات فرض النمط الجديد، كما ظهر في ملفات مثل فنزويلا وإيران. وإذا كانت هذه الساحات تمثل مختبرات اختبار، فإن المرحلة التالية قد تشهد انتقالاً أكثر وضوحاً نحو تثبيت ترتيبات مؤسسية جديدة على المستوى الدولي.

في المقابل، يتصاعد التباين الأميركي– الأوروبي. فحديث وزير الخارجية الأميركي روبيو عن أن "العالم تغير" يعكس اعترافاً بأن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية لم تعد مرجعية نهائية. التوتر في الرؤى بين حلفاء الأمس، وإعادة النظر في دور حلف شمال الأطلسي، وطبيعة الانتشار العسكري الأميركي، كلها مؤشرات على أن الإرث المؤسسي للعالم الغربي دخل فعلياً مرحلة إعادة تقييم.

المتأثرون بهذا التحول كثر. دول تشكلت في ظل توازنات ما بعد الحربين العالميتين، ووجدت موقعها ضمن معادلات الاستقطاب القديمة، قد تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف يعيد تعريف أدوارها وحدود حركتها. فالهزات الارتدادية لأي إعادة صياغة للنظام الدولي لن تكون محدودة جغرافياً أو سياسياً، بل ستمتد إلى بنية العلاقات الدولية ذاتها.

العالم دخل بالفعل نفق التحول. شكل السياسة الدولية، أدواتها، وآليات اتخاذ القرار فيها لن تبقى على حالها. قد يكون الواقع الجديد قائماً على فكرة فائض القوة وفرض القرار، لكنه في المحصلة سيفضي إلى توازنات مختلفة، ومراكز قوة متحركة، ومؤسسات تعكس معادلات مرحلة تتشكل أمام أعيننا.

نحن أمام لحظة انتقال تاريخي لا تتعلق بإدارة أزمات متفرقة، بل بإعادة تعريف قواعد اللعبة الدولية نفسها — ومن يملك حق صياغتها. إنها لحظة إعادة تعريف للشرعية والقيادة معًا — لحظة قد تحدد شكل النظام الدولي لعقود مقبلة.

"الغد"





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :