facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الضمان الاجتماعي بين الاستدامة المالية وإصلاح الحوكمة


عيسى حداد
22-02-2026 01:43 PM

صدرت مؤخراً توصيات الدراسة الاكتوارية للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، متضمنةً رفع سن التقاعد إلى 65 عاماً وزيادة مدة الاشتراك المطلوبة إلى 360 شهراً.

والتي لاقت غضباً شعبياً عارماً ومرفوضاً جملةً وتفصيلا.

لا خلاف على أن استدامة الصندوق ضرورة وطنية، فهو يمثل شبكة الأمان الاجتماعي لمئات الآلاف من الأسر اليوم ولأجيال قادمة. لكن أي إصلاح مالي بهذا الحجم يجب أن يُقاس ليس فقط بميزان الأرقام، بل بميزان العدالة الاجتماعية وكفاءة الإدارة.

رفع سن التقاعد وتشديد شروط الاستحقاق قد يعززان التوازن المالي على المدى الطويل، إلا أن أثرهما الاجتماعي يستحق نقاشاً معمقاً. فبقاء العاملين لفترة أطول في سوق العمل يحدّ من تدفق الفرص أمام الشباب، خاصة في اقتصاد يعاني من معدلات بطالة مرتفعة. كما أن اشتراط 30 سنة اشتراك يثقل كاهل أصحاب المهن الشاقة ومن يدخلون سوق العمل في سن متأخرة. الإصلاح المالي مطلوب، لكن ليس بالضرورة أن يكون طريقه الوحيد عبر تحميل المشتركين أعباء إضافية.

جوهر الإشكالية يكمن في الحوكمة وإدارة الأصول. فالضمان الاجتماعي يدير محفظة استثمارية تُقدّر بمليارات الدنانير، وطبيعة التزاماته طويلة الأجل تتيح له الاستثمار في مشاريع إنتاجية مستدامة، لا الاكتفاء بالأدوات التقليدية منخفضة العائد. تحسين كفاءة الاستثمار قد يحقق أثراً مالياً يعادل أو يفوق أثر رفع سن التقاعد، ولكن بكلفة اجتماعية أقل.

في هذا السياق، يمكن دراسة تأسيس بنك وطني مملوك للضمان الاجتماعي، يعمل وفق أسس مصرفية بحتة وتحت رقابة البنك المركزي ومعايير كفاية رأس المال الدولية. قاعدة المشتركين في الضمان، برواتبهم المنتظمة واقتطاعاتهم الشهرية، تشكل محفظة ائتمانية منخفضة المخاطر نسبياً، ما يسمح بتوجيه التمويل نحو قطاعات مستقرة مثل الإسكان للمشتركين، وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بسلاسل إنتاج حقيقية.

ولكي لا يتحول هذا البنك إلى أداة تمويل سياسي أو منفذ لمشاريع غير مجدية، يجب أن يُحصَّن قانونياً باستقلالية كاملة، وأن يُعيَّن مجلس إدارته وفق معايير مهنية صارمة، مع حظر تمويل أي جهة حكومية إلا وفق أسس تجارية خالصة. كما ينبغي تحديد سقف واضح لنسبة مساهمة الضمان في رأس مال البنك من إجمالي أصوله، لضمان التنويع ومنع تركّز المخاطر. الهدف ليس المغامرة بأموال المتقاعدين، بل الانتقال من دور المستثمر السلبي في السندات إلى دور المستثمر المنتج في الاقتصاد الحقيقي.

هذه المقاربة تنسجم مع مبدأ التوازن بين الأصول والالتزامات؛ فالتزامات الضمان طويلة الأجل، ومن المنطقي أن تكون استثماراته طويلة الأجل ومدرّة للدخل، بما يعزز العوائد تدريجياً ويخفف الحاجة إلى إجراءات تمس شروط التقاعد.

إلى جانب ذلك، يمكن التفكير في مشاريع تنموية إنتاجية مدروسة بعناية، مثل تطوير مناطق زراعية وصناعية متكاملة في شرق المملكة، شريطة أن تخضع لدراسات جدوى صارمة، وأن تُدار عبر هيئة مستقلة ذات حوكمة عالية، وبشراكة حقيقية مع القطاع الخاص. الاعتراف بالمخاطر، سواء في الكلفة أو البنية التحتية أو الموارد هو شرط أساسي قبل اتخاذ أي قرار استثماري، حتى لا تتحول المبادرات الطموحة إلى أعباء جديدة.

الإصلاح الحقيقي يبدأ من استقلالية القرار الاستثماري، وشفافية الدراسات الاكتوارية، وربط أي تعديل تشريعي بتقييم شامل يأخذ البعد المالي والاجتماعي معاً. فالتقاعد ليس مجرد معادلة حسابية بين إيراد ومصروف، بل عقد اجتماعي يعكس ثقة المواطن بمؤسساته.

استدامة الضمان هدف جامع، لكن الطريق إليها لا يجب أن يمر حصراً عبر رفع سن التقاعد. تحسين الحوكمة، وتعظيم العائد الاستثماري، وتنويع الأصول بذكاء، قد يوفر حلولاً أكثر توازناً تحفظ حق المواطن وتدعم استقرار الدولة في آن واحد.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :