تصريحات السفير بين الأيديولوجيا والدبلوماسية ..
محمد حسن التل
23-02-2026 08:39 PM
في مرحلة إقليمية تعاني بقدر عالٍ من الهشاشة السياسية والأمنية، لا تُقاس التصريحات الدبلوماسية بحدودها اللغوية فحسب، بل بمدلولاتها الرمزية وانعكاساتها الاستراتيجية ، ومن هذا المنطلق اكتسبت تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، أهميتها وخطورتها، بعدما فُهم منها تبنٍّ لرؤية دينية في مقاربة مسألة الحدود والسيادة، وتلميح إلى تقبّل تصور توسعي يستند إلى سرديات توراتية.
ورغم محاولات التوضيح اللاحقة، فإن الجدل الذي أثارته هذه التصريحات لم يكن عابرًا، بل كشف عن توترات عميقة تتصل بطبيعة الدور الأمريكي في المنطقة، وبحدود التداخل بين القناعة الأيديولوجية والخطاب الدبلوماسي الرسمي.
التحليل الأشمل لهذه التصريحات يقتضي النظر إليها في ثلاثة مستويات مترابطة، مستوى الخطاب، ومستوى السياسة، ومستوى التوازنات الإقليمية.
على مستوى الخطاب، فإن استدعاء الدين في نزاع جيوسياسي معاصر يغيّر طبيعة النقاش من كونه خلافًا سياسيًا قابلًا للتفاوض إلى صراع سرديات وجودية ، فالنزاعات التي تُصاغ بلغة الحقوق القانونية يمكن احتواؤها عبر التفاوض والتسويات المرحلية، أما حين تُصاغ بلغة “الحق الإلهي” أو “الوعد التاريخي”، فإنها تميل إلى الصلابة والاستقطاب، لأن الأطراف تشعر بأنها تدافع عن هوية، لا عن حدود فحسب، هذا التحول في اللغة ليس تفصيلًا بلاغيًا، بل انتقال في طبيعة الصراع ذاته، بما يحمله ذلك من تداعيات على إمكانات التهدئة وإعادة بناء الثقة.
ولا تقتصر خطورة إدخال البعد الديني في تعريف الحدود على أثره السياسي الآني، بل تمتد إلى تعارضه مع الأسس التي قام عليها النظام الدولي الحديث، القائم على سيادة الدول وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة ، فميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي المعاصر يضعان إطارًا واضحًا لتنظيم العلاقات بين الدول بعيدًا عن السرديات الدينية أو التاريخية المطلقة ، وعندما يُعاد تأطير النزاع خارج هذه المرجعيات، فإن ذلك يضعف المرجعية القانونية ويفتح الباب أمام فوضى تأويلية في قضايا الحدود والسيادة.
على مستوى السياسة الرسمية، تبرز إشكالية الاتساق، فقد أعلنت الولايات المتحدة، عبر إدارات متعاقبة، دعمها لحل الدولتين باعتباره الإطار العملي لتسوية الصراع ، وأي خطاب يُفهم على أنه يفتح الباب أمام تصور توسعي أو يتسامح معه يضعف مصداقية هذا الإلتزام، حتى لو لم يُترجم إلى قرارات تنفيذية ، في العلاقات الدولية، كثيرًا ما يوازي الإنطباع الفعل في التأثير. وعندما يصدر تصريح مثير للجدل عن سفير، فإن الرسالة لا تُقرأ بوصفها رأيًا شخصيًا معزولًا، بل باعتبارها جزءًا من مناخ سياسي أوسع ، ومن هنا تتضاعف حساسية الكلمات، لأنها تنعكس على صورة الدولة وسياساتها المعلنة.
أما على مستوى التوازنات الإقليمية، فإن المنطقة تشهد تحولات معقدة ، تقاربات جديدة، توترات كامنة، وملفات مفتوحة من غزة إلى الضفة الغربية، مرورًا بحدود دول عدة، وفي هذا السياق، فإن أي إشارة إلى إعادة تعريف الحدود أو شرعنة منطق التوسع تثير قلقًا مضاعفًا، لأنها تمس جوهر النظام الإقليمي القائم على الاعتراف المتبادل بالسيادة ، إن الدول العربية التي سارعت إلى إدانة التصريحات لم تفعل ذلك فقط بدافع التضامن السياسي، بل دفاعًا عن مبدأ قانوني يحمي استقرارها وحدودها، فالمساس بفكرة ثبات الحدود يفتح الباب أمام سوابق خطيرة في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة البنى السياسية والأمنية.
علاوة على ذلك، ثمة بعد داخلي أمريكي لا يمكن إغفاله، فبعض التيارات السياسية في الولايات المتحدة تميل إلى قراءة الصراع من منظور ديني أيديولوجي، وهو ما ينعكس أحيانًا في لغة الخطاب العام ، غير أن نقل هذا المنظور إلى مستوى الدبلوماسية الرسمية يخلق فجوة بين البراغماتية السياسية ومتطلبات الحشد الأيديولوجي الداخلي ، فالدبلوماسية بطبيعتها، تقوم على إدارة التعقيد وتخفيف حدّة الخطاب، لا على تعميق الإنقسامات ، وعندما يختلط البعد العقائدي بالتمثيل الرسمي، يصبح الحفاظ على التوازن مهمة أكثر صعوبة.
ناهيك عن أن مثل هذه التصريحات تؤثر في الرأي العام الإقليمي، ففي مجتمعات تعاني أصلًا من فقدان الثقة في حياد القوى الكبرى، يُنظر إلى أي انحياز لفظي باعتباره تأكيدًا لمخاوف قديمة ، وينعكس ذلك بدوره على فرص الوساطة، وعلى قابلية الأطراف المحلية للانخراط في مسارات تفاوضية برعاية أمريكية، فالثقة التي تُبنى ببطء، يمكن أن تتآكل بسرعة عبر خطاب غير محسوب.
ومن زاوية استراتيجية، قد لا تغيّر هذه التصريحات الوقائع على الأرض بشكل مباشر، لكنها تسهم في تشكيل البيئة السياسية التي تتحرك فيها الأطراف. فالبيئة المشحونة بخطاب ديني أو توسعي تجعل من الصعب تسويق حلول وسط، وتدفع الأطراف الأكثر تشددًا إلى مزيد من التشبث بمواقفها.
كما أن استمرار هذا النمط من الخطاب ينعكس على مستقبل أي تسوية محتملة، إذ يصعّب على القيادات المعتدلة في المنطقة تبرير الانخراط في مسارات تفاوضية أمام شعوبها، في ظل شعور متنامٍ بانحياز الراعي الدولي، فالسلام لا يُبنى فقط على موازين القوة، بل على توازن الروايات والضمانات المتبادلة ، وأي اختلال في هذا التوازن يُضعف فرص الوصول إلى تسوية عادلة ومستدامة، ويجعل المنطقة أسيرة دورات متكررة من التوتر وعدم الاستقرار.
وفضلاً عن ذلك، فإن تكريس المقاربة الأيديولوجية في إدارة الصراع يهدد بإعادة إنتاج حالة الاستقطاب الدولي حول القضية الفلسطينية، في لحظة يحتاج فيها النظام الدولي إلى الحد الأدنى من التوافقات لضبط الأزمات المتشابكة، فحين تتراجع لغة القانون والمؤسسات لمصلحة الخطاب العقائدي، تتآكل فرص بناء تحالفات واسعة داعمة لحل سياسي متوازن، ويتحول النزاع إلى ساحة توظيف في صراعات أوسع بين القوى الدولية، بما يزيد من تعقيد المشهد.
في المجمل، تكشف هذه الأزمة الخطابية عن هشاشة التوازن بين القناعة الأيديولوجية والمسؤولية الدبلوماسية. فالمنطقة تحتاج إلى لغة تبني الجسور، لا إلى لغة تعمّق الفجوات ، وأي انزلاق نحو مقاربات تستند إلى سرديات مطلقة بدلًا من قواعد القانون الدولي يُضعف فرص الاستقرار ويعقّد مسار التسوية، لذلك فإن الجدل الذي أثارته تصريحات السفير لا يتعلق بشخصه فقط، بل بسؤال أوسع حول طبيعة الدور الأمريكي وحدود الخطاب المقبول في واحدة من أكثر قضايا العالم تعقيدًا وحساسية.
القيادات العربية والإسلامية، منذ عقود طويلة، تحاول إسقاط مفهوم الصراع الديني مع الإسرائيليين، وتؤكد أن ما يجري هو نزاع سياسي يمكن تسويته ضمن أطر القانون الدولي. في المقابل، لم يتوقف عدد من القادة الإسرائيليين عن توصيف الصراع في فلسطين بوصفه صراعًا دينيًا توراتيًا، وعلى ضوء هذا المفهوم يتصرفون ويخوضون معاركهم، ويجدون من يؤيدهم في العالم ويدعمهم، وفي المقابل يبرز سؤال جوهري.. ماذا حقق العرب من إسقاطهم مفهوم
الصراع العقائدي والوجودي مع الصهيونية؟
أن تصريحات السفير ليست كلامًا في الهواء، بل هي جزء من مدرسة متجذرة في الغرب تتبنى الرواية الصهيونية وتدعمها من منطلق عقائدي فإلى متى يظل العرب يغضون الطرف عن طبيعة الصراع وييجلون كل يوم خسارة جديدة في الوقت الذي فيه يعلو صوت الأخر بأنه يخوض معركة التوارة والتلمود تحقيقيا لوعد الهي مزعوم!!