لماذا الصين واليابان وفنلندا وصلت إلى نجاحات عالمية؟
ملاك الكوري
24-02-2026 01:28 PM
"الاقتصاد لا يقوم إلا على قيادات مهنية بأخلاق راسخة"..
في زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتشتد فيه المنافسة العالمية، لم تعد الموارد وحدها هي معيار التفوق، ولم تعد الثروات الطبيعية ضمانة للنجاح.
فكم من دولة تملك الموارد ولم تحقق التنمية، وكم من دولة محدودة الموارد أصبحت قوة اقتصادية عالمية.
هنا يبرز السؤال الجوهري: ما سر نجاح دول مثل الصين واليابان وفنلندا؟
الإجابة لا تبدأ بالمصانع ولا بالتكنولوجيا، بل تبدأ بالإنسان… وتحديدًا بالقيادة.
القيادة قبل الإدارة
الاقتصاد لا يُبنى بمدير غاضب، متسلط، مغلق الأبواب، يرى في منصبه سلطة لا مسؤولية.
بل يُبنى بقائد يرى نفسه موظفًا في خدمة مؤسسته قبل أن يكون صاحب قرار فيها.
فكما أن الموظف مسؤول أمام مديره، فالمدير مسؤول أمام ضميره، ومؤسسته، وقانون دولته.
في كثير من مجتمعاتنا، يصل البعض إلى المناصب عبر الواسطة أو التوصيات أو العلاقات الشخصية، لا عبر الكفاءة والجدارة.
أما في الدول الناجحة، فالمعيار الأول هو المهنية، والنزاهة، واحترام المصلحة العامة قبل الخاصة.
هناك لا يُسأل القائد فقط: ماذا تعرف؟ بل يُسأل قبل ذلك: كيف تتصرف؟ وكيف تتعامل مع فريقك؟ وهل تضع القانون فوق الجميع، أم تضع نفسك فوق القانون؟
أخلاق القائد أساس النجاح
عندما اختارت السيدة خديجة رضي الله عنها النبي محمد صلى الله عليه وسلم لإدارة تجارتها، لم تقل إنه “الأبرع في السوق”، بل قالت إنه “الصادق الأمين”.
هذه القاعدة الأخلاقية البسيطة تختصر فلسفة الإدارة الناجحة: الأمانة قبل المهارة، والسلوك قبل الشهادة.
الدول المتقدمة تدرك أن السلوك المهني (Behavior) هو حجر الأساس. فالشهادة العلمية يمكن تطويرها، والمهارات يمكن اكتسابها، لكن الأخلاق لا تُصنّع في مكاتب الإدارة.
لذلك نجد أن مؤسساتهم تبحث عن قائد يحترم فريقه، يسمع لهم، يفتح بابه للحوار، لا يقصي الكفاءات لأنهم يختلفون معه في الرأي، ولا يُحارب الناجحين خوفًا على كرسيه.
القانون بعدل… لا بقسوة
تطبيق القانون في الدول الناجحة يتم بمهنية وإنسانية في آنٍ واحد.
لا غضب، ولا انتقام إداري، ولا قرارات انفعالية.
ما دام كل موظف يؤدي عمله وينتج في موقعه، فهو عنصر قوة لا تهديد.
أما حين تتحول الإدارة إلى تصفية حسابات، أو إلى إقصاء للكفاءات لعدم رضا المدير عنهم، فإن المؤسسة تدخل مرحلة التراجع مهما كانت ميزانيتها كبيرة.
فالمشكلة ليست في الموارد، بل في القيادة التي تُديرها.
نحن لسنا في أزمة موارد… بل في أزمة قيادات
المقولة الصادقة تقول: “لسنا في أزمة موارد، بل في أزمة قيادات”. فالقائد الحقيقي هو الأب المهني القوي، لا المتسلط. هو من يرفع فريقه معه، لا من يخفضهم ليبدو أعلى.
هو من يفهم أن نجاح المؤسسة نجاح له، وأن فشلها فشل لإدارته.
انظروا إلى التجربة الصينية في الانضباط والإنتاجية، وإلى التجربة اليابانية في ثقافة الجودة والمسؤولية الجماعية، وإلى النموذج الفنلندي في الشفافية والتعليم والحوكمة الرشيدة.
ستجدون أن القاسم المشترك ليس المال فقط، بل منظومة قيادية تحترم العمل، وتقدّر الإنسان، وتلتزم بالقانون.
رسالة إلى كل مدير
إن كنت مديرًا، فتذكر أنك لست مالك المؤسسة، بل مؤتمن عليها. تذكر أن الكرسي لا يدوم، وأن السمعة المهنية تبقى.
افتح بابك، استمع لموظفيك، قيّمهم بعدل، لا تخلط مصلحتك الخاصة بمصلحة المؤسسة، ولا تجعل الغضب أسلوب إدارة.
كن قائدًا يُحتذى به، لا مديرًا يُخشى منه.
فبهذه المعادلة فقط تُبنى المؤسسات… وتنهض الاقتصادات… وتُصنع قصص النجاح.