جيلنا .. هل هو الأسوأ حظًا؟
حسن عبدالحميد الرواشدة
04-03-2026 01:06 PM
أن تولد في عام 1982 يعني أن تفتح عينيك على عالمٍ لم يكن مستقرًا أصلًا. في ذلك الصيف، كانت بيروت تُجتاح، وكانت صور الدبابات الإسرائيلية في شوارعها تتصدر نشرات الأخبار فيما كانت منظمة التحرير الفلسطينية تغادر المدينة المحاصرة. لم يكن ذلك حدثًا عابرًا في سجل المنطقة، بل كان إعلانًا مبكرًا بأن هذا الجيل سيدخل التاريخ من بوابة العاصفة لا من بوابة الطمأنينة. كبرنا وأعيننا على الشاشات، لا على الحدائق. وتعلّمنا أسماء المدن المحاصَرة.
في طفولتنا، كانت الحرب العراقية الإيرانية خلفية ثابتة للحياة اليومية حرب طويلة بما يكفي لتصبح اعتيادًا نفسيًا على فكرة النزيف المفتوح. وحين انتهت، لم يكن السلام هو العنوان، بل جاء غزو الكويت، وتبعته حرب الخليج، لنكتشف مبكرًا أن الحدود ليست خطوطًا ثابتة، وأن ما بدا مظاما إقليميا يمكن أن يهتز في أيام. في التسعينيات، كان الحصار يخنق العراق، والاقتصادات العربية تتلمس توازنًا هشًا، بينما كان جيلنا يدخل مراهقته محمّلًا بإحساسٍ غامض بأن الاستقرار وعد مؤجل.
ثم جاءت لحظة هجمات 11 سبتمبر، لا كخبرٍ دولي بعيد، بل كتحول جذري في نظرة العالم إلى هذه المنطقة وسكانها. أعقبها غزو أفغانستان ثم العراق، وبدأت مرحلة "الحرب على الإرهاب" التي لم تكن مجرد عمليات عسكرية، بل إطارًا سياسيًا وأمنيًا وثقافيًا أعاد تشكيل السياسات والهويات والخطاب العام. في تلك السنوات، كان جيلنا يدخل سوق العمل، يؤسس عائلاته الأولى، ويحاول أن يبني مسارًا شخصيًا وسط خرائط تتبدل بسرعة، وحدود تُعاد صياغتها بالنار.
حين اندلع الربيع العربي، كان كثيرون منا في ذروة أعمارهم المهنية والفكرية. بدا وكأن لحظة تاريخية قد حانت، لحظة يخرج فيها الصوت المكبوت إلى الشارع، ويصبح الحلم مشروعًا عامًا لا همسًا فرديًا. لكن المسارات التي تلت لم تكن مستقيمة؛ انفتحت الأبواب على احتمالات متناقضة، إصلاح في مكان، انهيار في آخر، حروب أهلية، استقطاب حاد، وتدفقات لجوء غير مسبوقة. كان ذلك اختبارًا قاسيًا لقدرة هذا الجيل على الموازنة بين الإيمان بالتغيير والخوف من الفوضى.
ولم تكد المنطقة تلتقط أنفاسها حتى اجتاحت العالم جائحة كورونا، لتضع البشرية كلها في عزلة قسرية، ولتكشف هشاشة الأنظمة الصحية والاقتصادية، وتعمّق شعور القلق الجماعي.
ثم عادت غزة إلى الواجهة بحروب متتالية، ولبنان إلى حافة الانهيار، وصولا الى حرب على إيران مفتوحة على كل الإحتمالات، هكذا وجد جيلنا نفسه يحمل ذاكرة متراكمة من الصدمات، ذاكرة لا تمنح وقتًا كافيًا للشفاء بين حدث وآخر.
ما يميز هذا الجيل ليس فقط كثرة الحروب التي مرّت أمامه، بل طبيعة وعيه بها. نحن أول جيل عربي يعيش التحول الرقمي الكامل؛ لم نسمع عن الحروب من المذياع فقط، بل شاهدناها مباشرة على الشاشات، ثم على الهواتف، لحظة بلحظة. الصور لم تعد نادرة، بل فائضة.
الدم لم يعد خبرًا مقتضبًا، بل بثًا حيًا. هذا التعرض المستمر خلق حالة من التوتر المزمن، ما يسميه علماء النفس بالصدمة الثانوية، أن تعيش وقع الحدث نفسيًا حتى وإن لم تكن في مسرحه. وهكذا، لم تكن الحروب خارجنا فحسب، بل استقرت في وعينا اليومي، في لغتنا، في نكاتنا السوداء، وفي حذرنا المبالغ فيه.
اقتصاديًا، دخلنا سوق العمل في بيئات مضطربة، بين خصخصة متسارعة وبطالة مرتفعة وتقلص في الطبقة الوسطى. سياسيًا، انتقلنا من يقين الأيديولوجيات الكبرى إلى سيولة السرديات وتفككها. اجتماعيًا، شهدنا تحولات سريعة في القيم وأنماط الحياة بفعل العولمة والتكنولوجيا. هذا التراكم أنتج شخصية جمعية تميل إلى الواقعية الحادة، أحيانًا إلى التشاؤم، حذرة في اتخاذ القرارات المصيرية، مترددة بين الرغبة في الاستقرار والخوف من أن يكون الاستقرار نفسه مؤقتًا.
ومع ذلك، فإن اختزال هذا الجيل في صورة الضحية وحدها يظلمه. ففي قلب هذه العواصف، كان هناك بناء أيضًا، مؤسسات إعلامية جديدة، منصات رقمية، مبادرات مدنية، ومحاولات مستمرة لإعادة صياغة الرواية. كثيرون من أبناء هذا الجيل لم يكتفوا بالاستهلاك السلبي للأحداث، بل اختاروا أن يكونوا شهودًا وفاعلين، أن يوثقوا، أن يحللوا، وأن يحاولوا فهم ما يجري بدل الاستسلام له. ربما لم ننجح دائمًا في تغيير المسار العام، لكننا حاولنا أن نحمي وعينا من الانهيار الكامل.
هل نحن إذن الأسوأ حظًا؟ قد يكون التاريخ مليئًا بأجيال عاشت مآسي أكبر، حروبًا عالمية ومجاعات وأوبئة قاتلة. لكن ما يجعل تجربتنا فريدة هو هذا التراكم غير المنقطع، وهذا الوعي المفرط بكل تفصيل. نحن جيل لم يعرف هدنة طويلة، ولم يُمنح ترف النسيان. جيل حمل أكثر مما ينبغي من الأخبار الثقيلة، وهو يحاول في الوقت ذاته أن يعيش حياة عادية، أن يربي أبناءه، أن يخطط لمستقبله، أن يصدق بأن الغد قد يكون أقل اضطرابًا.
ربما لسنا الأسوأ حظًا بمعايير التاريخ البارد، لكننا بالتأكيد جيل الذاكرة الثقيلة؛ الجيل الذي عاش التحولات الكبرى من الداخل، وخرج منها بقدر أقل من اليقين وقدر أكبر من الأسئلة. وهذا، بحد ذاته، قدرٌ ليس سهلًا.