العشر الأواخر فرصة المقصرين في حق الشهر الفضيل
محمد حابس أبو ضريس
05-03-2026 11:40 AM
كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم اجعل خير أيامي يوم ألقاك، وخير عمري أواخره، وخير عملي خواتمه". وفي هذا الدعاء تنبيه وتنشيط وتذكير لكل صائم اكتفى بفريضة الصيام وقصرت همته عن التزود من نوافل الطاعات والصالحات؛ بأن يجعل من العشر الأواخر منه ميداناً لتدارك التقصير الواقع في مطلع وبحر هذا الشهر الفضيل، وذلك بكسب الحسنات والإكثار منها بشتى الوسائل المشروعة الموصلة لها.
فالاجتهاد في العشر الأواخر كان من نهج النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد ورد عن السيدة عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله".
فهذا نبينا -صلى الله عليه وسلم-، المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يستنهض همم المقصرين من أبناء أمته ليتداركوا التقصير الذي وقع منهم.
ومن هنا؛ فإنه لا ينبغي للمؤمن المقصر أن يفوت هذه الفرصة الثمينة على نفسه وأهله، فما هي إلا ليالٍ معدودة، ربما يدرك الإنسان فيها نفحة من نفحات المولى، فتكون سعادةً له في الدنيا والآخرة، وتشفع له ما فات من تقصيره، وإنه لمن الحرمان العظيم والخسارة الفادحة أن يُضيع المسلم هذه الأوقات الثمينة فيما لا ينفعه.
ويتربع على رأس هذه الليالي المباركة طاعتان جامعتان وحاويتان لكثير من القرب، جابرات لكل تقصير، وهما:
أولاً: الاعتكاف: ويعني الانقطاع والإقامة في المساجد ولزومها تفرغاً للعبادة، وتخلية للنفس عن التشاغل بأمر الدنيا؛ فقد ورد عن السيدة عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده. وهذا الانقطاع يُعمر بالصلاة وقراءة القرآن والذكر والدعاء.
ثانياً: إحياء ليلة القدر: هذه الليلة النورانية التي انطلق منها نور الإسلام برسالته السمحة إلى العالم أجمع، وهي التي تضاهي ألف شهرٍ من العبادة، وهو ما يساوي ثلاثة وثمانين عاماً وأربعة أشهر، قال تعالى: {لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ} [سورة القدر: 3].
هذه الليلة التي في إحيائها بالطاعات والقرب مغفرة وتكفير لما قد يقع من هذا المسلم من ذنوب في قادم أيام عمره؛ فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حقها: "مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ".
وهذه الليلة أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- أنها تكون في هذه الأيام العشر، فقد ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- قوله: "إِنِّي اعْتَكَفْتُ العَشْرَ الأوَّلَ، ألتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلة، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ العَشْرَ الأوْسَط، ثُمَّ أتِيتُ، فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ، فَمَنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفَ".
ولعل أرجى الأعمال التي تُفعل في هذه الليلة هي: قراءة القرآن والدعاء، فليلة القدر هي الليلة التي نزل فيها القرآن الكريم جملةً إلى السماء الدنيا، قال تعالى: {إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ} [سورة القدر: 1] وأما الدعاء الذي هو لُب العبادة فالاجتهاد به مطلوب في هذه الليلة، ومما يدل عليه حديث السيدة عائشة -رضي الله عنها-، قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر؛ ما أقول فيها؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعف عني".
وختاماً، سائلين المولى أن يحفظ الأردن العزيز من كل مكروه، وأن يديم عليه أمنه وأمانه واستقراره، وسائر بلاد المسلمين.