الحرب في الإقليم .. واختبار مرونة الاقتصاد الأردني
أ. د. قاسم الحموري
05-03-2026 06:26 PM
في كل مرة تتصاعد فيها التوترات في الإقليم، يجد الاقتصاد الأردني نفسه أمام اختبار جديد لمرونته وقدرته على التكيّف. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك مصالحه التجارية والطاقية مع محيطه والعالم، لا يعيش بمعزل عن التحولات الجيوسياسية. والحرب الإيرانية تمثل مثالاً واضحاً على ذلك؛ فهي ليست مجرد حدث سياسي بعيد، بل تطور قد يحمل انعكاسات اقتصادية مباشرة وغير مباشرة على المملكة.
أول هذه الانعكاسات غالباً ما يظهر في كلف النقل والتأمين على الشحن. فكلما ارتفعت المخاطر الجيوسياسية، ارتفعت معها أقساط التأمين البحري وكلف الشحن، خصوصاً إذا اقتربت التوترات من الممرات البحرية الحيوية. وفي اقتصاد يعتمد على الاستيراد لتلبية جزء كبير من احتياجاته، فإن أي زيادة في كلفة النقل سرعان ما تنتقل إلى سلاسل التوريد، لتنعكس في النهاية على أسعار السلع داخل السوق المحلي.
في هذا السياق، تبدو الخطوات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة مؤخراً ذات أهمية واضحة، سواء في ما يتعلق بتعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، أو متابعة أوضاع الطاقة والتزود بالوقود، أو مراجعة خطط الطوارئ اللوجستية. فالتعامل المبكر مع المخاطر لا يمنع الأزمات دائماً، لكنه يخفف من آثارها ويمنح الأسواق قدراً أكبر من الطمأنينة.
لكن الدرس الأهم الذي تعيد مثل هذه الأزمات التذكير به هو ضرورة تنويع مصادر الاستيراد ومسارات التجارة. فالاعتماد على خطوط نقل محددة أو أسواق محدودة قد يكون مريحاً في أوقات الاستقرار، لكنه يتحول إلى نقطة ضعف في أوقات الأزمات. لذلك فإن توسيع الخيارات التجارية، سواء نحو أسواق جديدة أو عبر مسارات نقل بديلة، لم يعد خياراً اقتصادياً ثانوياً، بل جزءاً من استراتيجية الأمن الاقتصادي.
أما ملف الطاقة فيبقى الأكثر حساسية. فأي اضطراب في إمدادات الغاز أو ارتفاع في أسعار الوقود قد يدفع إلى زيادة الاعتماد على الديزل في توليد الكهرباء، وهو خيار أعلى كلفة ويضع ضغوطاً إضافية على الموازنة العامة. وهذا ما يعيد فتح النقاش حول ضرورة تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة.
صحيح أن الأردن قطع شوطاً مهماً في هذا المجال، حيث وصلت مساهمة الطاقة المتجددة إلى ما يقارب ربع مزيج الطاقة، لكن هذا المستوى لا يزال دون الطموح لدولة اعتمدت تاريخياً على الخارج لتأمين معظم احتياجاتها الطاقية. تسهيل انتشار الطاقة الشمسية وإزالة بعض القيود التنظيمية يمكن أن يشكلا خطوة مهمة نحو تعزيز الاستقلال الطاقي.
في المقابل، تكشف الأزمات أيضاً الحاجة إلى إعادة التفكير في فلسفة تحفيز الاستثمار. فالتجارب السابقة التي ركزت على الإعفاءات الضريبية لم تحقق دائماً الأثر التنموي المأمول. ما يحتاجه الاقتصاد في كثير من الأحيان ليس مزيداً من الإعفاءات، بل بيئة أعمال أكثر كفاءة ومرونة، وإجراءات أبسط، وإدارة اقتصادية أكثر فاعلية.
ولا يمكن إغفال الأمن الغذائي والمائي، وهما ملفان يزدادان أهمية في أوقات عدم الاستقرار الإقليمي. فإدارة الموارد المائية المحدودة بكفاءة، وتوجيهها نحو الاستخدامات الأكثر إنتاجية، باتت مسألة اقتصادية بقدر ما هي مسألة بيئية.
ورغم أن الاقتصاد الأردني اعتاد التعامل مع الأزمات الإقليمية، فإن استمرار التوترات لفترة طويلة قد يترك آثاراً على قطاعات حساسة مثل السياحة، وربما حتى على حوالات المغتربين إذا تأثرت أسواق العمل في المنطقة.
مع ذلك، فإن التجربة الأردنية خلال السنوات الماضية تشير إلى حقيقة مهمة: قوة الاقتصاد لا تقاس بغياب الأزمات، بل بقدرته على إدارتها. فحين تكون السياسات واضحة، والقرارات مبنية على الشفافية، ويكون التواصل مع الرأي العام صريحاً، يصبح الاقتصاد أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.
الحروب في الإقليم قد لا تكون خياراً للأردن، لكن طريقة التعامل مع تداعياتها تبقى دائماً خياراً. وفي هذا الاختيار تحديداً تتحدد قدرة الاقتصاد على تحويل التحديات إلى فرصة لإعادة ترتيب الأولويات وتعزيز الاعتماد على الذات.