لا أدري كَم مضى مِن الوَقت علي وأَنا فاقد للذاكرة، ما أَضعف الإِنسان! ولا أَتذكّر ما الذي حصل معي لأَفقد الذّاكرة، ولا أَتذكّر أَيضًا كَم مضى مِن الوَقت وأَنا في حالة النِسيان تِلك، ولكن الحمدلله عادت ذاكرتي فها أَنا أَتذكَّر الأَشخاص والأَماكن لا بَل والذِّكريات أَيضًا.
أَتذكَّر حُبِّي للقهوة وكيفية صناعتها... وأطباق الطّعام التي أُحبّ والبرتقال !
بَدأتُ أَتفقَّد أَشيائي الخاصَّة وأَنا سعيد بأَنّني أَتذكّر كُلّ شيء وكأَنّ أَشيائي كانت قَد سُرِقَت منّي و أعيدت إليّ ..الحمدلله..
وكانت سَعادتي وأَنا أَرى ابتسامة مَن حولي مِن أَبنائي وزوجتي وهُم سُعداء بعودة الذّاكرة لي.. لا بُدَّ وأَنّني قَد أَزعجتهم كَثيرًا،
نَظرتُ نحوهم وقُلت: شُكرًا لكم عَلى كُل ما بذلتموه لأَجلي، وأَتمنّى أَن لا أَكون قَد أَزعجتكم كَثيرًا..
- لا يا بابا، بالعكس نحنُ سُعداء جِدًّا بعودتك لنا سالمًا غانمًا مُعافًا، الحمدلله
- بابا، هَل كنتم تُقدّمون لي كُلّ شيء أَطلبه؟
- نَعم.
- هَل كنتم تُطعمونني الطّعام الذي أُحبّ أَم أَنّكم كنتم تُطعمونني الأَكل الذي تُحبّونه أَنتم؟!
فعند فقدان الذّاكرة لَم أَكُن أُميّز أَي شيء!!
- كان كُلّ شيء عَلى ما يُرام يا والدي.
الحَمدُلله أَنّكَ عُدتَ لَنا يا بصحة وعافية وسنجهّز لَك كُلّ شيء تُحبّه الآن.
- يا تُرى هَل كُنتم تُقدِّمون لي القَهوة بِسُكَّر أَم لا؟! وهَل كُنتُ أَطلب القَهوة ؟! هل كنتم تشعرون بحاجتي للقهوة؟
ثُمَّ ضحكت وقُلتُ الشُكر لكم اتركوني لو سَمحتم وتأَمَّلتُ الأَحداث...
عندما نفقد ذاكرتنا هَل يُعاملنا الآخرون كَما لَو كانت ذاكرتنا طبيعية أَم لا؟!
كالتّصرف أَمام الكَفيف هَل مَن يُحيطون بِه يُراعون ذلك أَم أَنّهم يَتصرّفون مَعه كتعاملهم مَع المُبصِر.
وهَل تعاملنا مَع القوي كَتعاملنا مَع الضَّعيف؟! فلو كنا أقوياء الآن هل كان عدونا المتغطرس سيعاملنا بهذه العنجهية؟؟
فَلو كان الإِنسان عَلى طبيعته هَل سيتصرّف أَمام فاقد الذّاكرة كَما لَو كان حاضر الذّهن والذّاكرة؟!
أَم أنّه سيستثني الكثير مِن الأُمور والمواضيع، بِحُكم أنه غير مدرك للذي حدث أو سيحدث؟
وهَل سلوكنا مَحكوم بالآخر أَم أَنّه ثابت مَع أَيّ آخر، هل المحترم بسلوكه محترم دوماً أم أن ذلك يعتمد على المصلحة أو الموقف أو الظروف؟
ذَهبتُ في تَفكيري كَثيرًا وعُدتُ لأَسأَل نفسي هَل يا ترى عندما كُنتُ فاقدًا للذاكرة كانوا يُقدِّمون لي القهوة بِسُكَّر؟ أَم سادة كَما أُحِبّ؟!
لا بُدَّ أنهم لم يقدموها لي سادة أو لم يقدموها لي أصلاً..