هل كل مَن يحمل هاتفاً .. يملك عقلاً يعمل؟!
محمود الدباس - أبو الليث
09-03-2026 04:16 PM
أحياناً لا تبدأ الكوارث بصوتٍ عالٍ.. بل بجملة صغيرة تمر أمام أعيننا.. فنمنحها ثقةً سريعة.. ثم نضعها في طريق الآخرين.. دون أن نسألها من أين جاءت.. ولا إلى أين تمضي..
نعيش في زمن.. أصبحت فيه الكلمات تسافر أسرع من الطائرات.. باتت الحقيقة نفسها.. تحتاج أحياناً إلى وقت أطول كي تلحق بالشائعة.. لأن الطريق إلى العقول.. لم يعد يمر عبر التحقق.. بل عبر زرٍ صغير.. اسمه المشاركة..
الحروب لم تعد كما عرفها التاريخ.. لم تعد جيوشاً تتحرك على الحدود.. ولا مدافعاً تتبادل القصف فوق الجبال والسهول فحسب.. بل أصبح شكل المعركة مختلفاً كثيراً.. حتى أصبح الإعلام جزءاً من سلاحها.. يسبق الصواريخ أحياناً.. ويمهّد لها الطريق في عقول الناس قبل أن تصل إلى الأرض..
في هذا الزمن ظهرت معركة أخطر من أصوات المدافع.. إنها معركة الوعي.. تلك الساحة الخفية.. التي يحاول فيها كل طرف أن يزرع روايته داخل عقول الناس.. أن يصنع خوفاً هنا.. وغضباً هناك.. وأن يدفع الجماهير لتصديق ما يريد هو أن يُصدَّق.. لأن مَن يربح الوعي.. يربح نصف الحرب.. دون أن يطلق رصاصة واحدة..
ولهذا امتلأت وسائل التواصل بما يُسمّى تسريباتٍ خطيرة.. واجتماعاتٍ سرية.. وخططٍ كبرى.. قيل إنها خرجت من داخل غرف القرار.. نصوص طويلة.. مليئة بالحوار والوعيد.. والأسماء الكبيرة.. تُكتب بطريقة تجعل القارئ.. يشعر أنه أمام وثيقة سقطت من طاولة قائد عسكري.. بينما الحقيقة في كثير من الأحيان أبسط بكثير.. مجرد قصة كتبها شخص مجهول.. ثم أطلقها في فضاء الإنترنت..
لكن المدهش ليس وجود هذه النصوص.. فالدعاية الحربية قديمة قدم الصراع نفسه.. المدهش حقاً هو ذلك الحماس العجيب في نقلها.. وتداولها.. والتعامل معها وكأنها حقيقة منزلة لا يأتيها الشك.. دون أن يسأل أحد سؤالاً بسيطاً.. أين المصدر؟!.. ومن نشرها أولاً؟!.. وهل ظهرت في أي وسيلة إعلام معتبرة؟!..
النص المفبرك يفضح نفسه عادة بسهولة.. لغته صاخبة.. مليئة بالوعيد والتهديد.. يخلط دولاً وزعماء في جملة واحدة.. ويعد بإسقاط دول خلال أيام.. وكأن العالم يُدار بخطبة حماسية.. لا بقرارات مدروسة.. بينما التقارير الحقيقية تكون هادئة.. دقيقة.. مقتصدة في الكلمات..
أما الخبر الصحيح.. فلا يتخفّى في الظلال.. بل يظهر في وسائل إعلامٍ ووكالات أنباءٍ معروفة.. ويمكن لأي إنسان أن يجده خلال لحظات إن بحث عنه.. وله مصدر واضح يمكن تتبعه.. لا عبارات هلامية من نوع مصادر مطلعة.. أو تقارير خاصة.. لا يعرف أحد من أين خرجت أصلاً..
المشكلة الحقيقية أن إعادة نشر هذه النصوص.. ليست مجرد سذاجة عابرة.. بل مشاركة غير واعية في حرب الوعي نفسها.. حيث يتحول الإنسان إلى ناقل مجاني.. لدعاية لا يعرف مَن كتبها.. ولا لماذا كُتبت.. ولا لمن تعمل..
ولهذا.. قبل أن تضغط زر المشاركة.. جرّب أن تفعل شيئاً بسيطاً.. أعد تشغيل خاصية التفكير المعطلة في رأسك.. واسأل نفسك بهدوء.. هل هذا خبر حقيقي فعلاً؟!.. أم قصة جذابة وجدت طريقها إلى هاتفك.. لأن أحدهم يعرف جيداً.. أن بعض العقول تنشر أولاً.. وتفكر لاحقاً.. هذا إن فكرت أصلاً..