استدامة خيارات الوقود لتوليد الكهرباء في الأردن
م. عبدالفتاح الدرادكة
10-03-2026 01:55 PM
في ظل الظروف الإقليمية والدولية الراهنة، وما تشهده أسواق الطاقة العالمية من تذبذب نتيجة التوترات الجيوسياسية والحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، تزداد الحاجة في الأردن إلى تعزيز أمنه في مجال توفير مصادر الطاقة والاعتماد بصورة أكبر على مصادر المحلية. فاستقرار إمدادات الوقود لتوليد الكهرباء لم يعد مجرد خيار اقتصادي، بل أصبح ضرورة استراتيجية ترتبط بالأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
يشكل الغاز الطبيعي اليوم العمود الفقري لمزيج الطاقة الكهربائية في الأردن، إذ تعتمد معظم محطات توليد الكهرباء عليه كمصدر رئيسي للوقود. لذلك فإن أي اضطراب في إمداداته ينعكس مباشرة على كلفة إنتاج الكهرباء وعلى استقرار النظام الكهربائي. ومن هنا، تبرز أهمية البحث عن حلول عملية ومستدامة تجمع بين الإجراءات السريعة قصيرة المدى والخطط الاستراتيجية بعيدة المدى لضمان استمرارية التزويد بالكهرباء بكلف مقبولة.
أولاً: الحل الأسرع – تعزيز استيراد الغاز الطبيعي المسال
يبقى الخيار الأسرع والأكثر جاهزية لتأمين إمدادات الغاز لمحطات توليد الكهرباء هو الغاز الطبيعي المسال (LNG) عبر ميناء الغاز المسال في العقبة. فقد شكّل هذا الميناء منذ تشغيله نقطة تحول مهمة في تنويع مصادر الغاز للأردن، إذ يتيح مرونة كبيرة في استيراد الشحنات من الأسواق العالمية وفق احتياجات الطلب المحلي.
وتكمن أهمية الغاز المسال في أنه يوفر حلاً فورياً لأي نقص محتمل في إمدادات الغاز عبر الأنابيب، كما يمنح الحكومة القدرة على المناورة في اختيار الموردين وفق الأسعار والظروف العالمية. صحيح أن كلفة الغاز المسال قد تزيد بما لا يقل عن 30% مقارنة بالغاز المورد عبر الأنابيب في الظروف الطبيعية، إلا أن عنصر الأمان واستمرارية التزويد في أوقات الأزمات يبرران هذا الفرق السعري، خاصة عندما يكون البديل هو نقص التوليد الكهربائي أو اللجوء إلى وقود أكثر كلفة مثل الوقود الثقيل أو الديزل.
استكمال وحدة التغييز في ميناء صباح الأحمد الصباح
وفي إطار تعزيز هذا الخيار، تبرز أهمية الإسراع في استكمال وحدة التغييز الخاصة بالغاز المسال في ميناء صباح الأحمد الصباح في العقبة. فزيادة القدرة الاستيعابية لاستقبال وتغييز الغاز المسال ستعزز جاهزية المنظومة الكهربائية للتعامل مع أي انقطاع مفاجئ في الإمدادات أو أي زيادة غير متوقعة في الطلب على الكهرباء.
إن توسيع قدرات البنية التحتية لاستقبال الغاز المسال يمثل استثماراً استراتيجياً في أمن الطاقة، إذ يمنح الأردن هامش أمان أكبر ويقلل من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مصدر واحد للغاز.
ثانياً: التوسع في الصخر الزيتي كخيار استراتيجي
لقد تم التطرق الى هذا الموضوع في عدة مقالات ولاهميته فلا ضير من التركيز عليه في اكثر من مقال، وإذا كان الغاز المسال يمثل الحل السريع، فإن الصخر الزيتي يمثل أحد أهم الحلول الاستراتيجية بعيدة المدى، كونه مورداً محلياً متوافراً بكميات كبيرة في الأردن وغير خاضع للتقلبات الجيوسياسية أو لاضطرابات أسواق الطاقة العالمية.
ويكمن الاستغلال الامثل في استغلال الخبرات التي تراكمت في موضوع الاعمال التعدينية وطرح عطاءات تنافسية بمواصفات محددة في مناطق اللجون وغيرها او مفاوضة شركة العطارات لتوسعة التوليد في المحطة العاملة مع الاخذ بعين الاعتبار. أن. يكون الهدف الاستراتيجي الوصول إلى سعر لتوليد الكهرباء من الصخر الزيتي يوازي أو يقترب من كلفة توليد الكهرباء من الغاز الطبيعي.
إن تحقيق معادلة سعرية تنافسية للصخر الزيتي سيجعل منه خياراً اكبر واهم واميز في مزيج الطاقة الأردني يحقق امنا مستداما واساسيا في توليد الكهرباء . ومع تراكم الخبرات الفنية وتحسن الكفاءة التشغيلية للمحطات، من المتوقع أن تنخفض كلفة الإنتاج تدريجياً، ما يعزز جدوى هذا المورد المحلي.
ثالثاً: الغاز المحلي – فرصة حقل الريشة
يبقى الأمل الأكبر لتحقيق الاستدامة الحقيقية في قطاع الطاقة الأردني هو تطوير الغاز المحلي، وتحديداً في حقل الريشة شرق المملكة. فنجاح عمليات الاستكشاف في إثبات وجود احتياطي تجاري قابل للتطوير سيشكل نقطة تحول مهمة في مسار أمن الطاقة الوطني.
وفي حال تحقق ذلك، فإن الخطوة الحاسمة التالية ستكون استكمال بناء خط أنابيب يربط حقل الريشة بخط الغاز العربي الذي يمتد من العقبة إلى الحدود السورية. هذا الربط سيحقق مجموعة من الفوائد الاستراتيجية، أبرزها دمج الغاز المحلي في الشبكة الوطنية للغاز، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، إضافة إلى توفير بنية تحتية مرنة تسمح بالمناورة التشغيلية أو حتى التصدير مستقبلاً في حال توفر كميات كافية.
كما أن هذا المشروع يمثل خطوة استباقية للتحضير لمرحلة ما بعد الاتفاقيات طويلة الأمد لتوريد الغاز من شرق البحر المتوسط، والتي ستنتهي في المستقبل، ما يتطلب تجهيز بدائل محلية قبل الوصول إلى تلك المرحلة.
رابعاً: تعزيز مساهمة الطاقة المتجددة والتخزين الكهربائي
إلى جانب الوقود التقليدي، يلعب قطاع الطاقة المتجددة دوراً متزايد الأهمية في مزيج الطاقة الأردني، خاصة في ظل الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها الأردن في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
غير أن التحدي الرئيسي للطاقة المتجددة يكمن في طبيعتها المتقطعة، ما يتطلب تطوير تقنيات التخزين الكهربائي لضمان استقرار الشبكة. ومن هنا تبرز أهمية إنشاء محطات تخزين للطاقة بالقرب من مراكز التوليد أو مراكز الأحمال، بحيث يتم تخزين الفائض من الكهرباء خلال ساعات الإنتاج المرتفع واستخدامه في أوقات الذروة.
كما يمثل مشروع التخزين الهيدروليكي للطاقة المتجددة على سد الموجب أحد المشاريع الاستراتيجية المهمة، إذ يمكن أن يوفر قدرة تخزين تعادل محطة توليد كهرباء بقدرة تصل إلى 400 ميغاواط، ما يعزز قدرة الشبكة الكهربائية على استيعاب المزيد من الطاقة المتجددة.
خامساً: الهيدروجين الأخضر – طاقة المستقبل
وفي سياق التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، يبرز الهيدروجين الأخضر كأحد أهم مصادر الطاقة المستقبلية. ويملك الأردن فرصة واعدة للدخول المبكر في هذا المجال، مستفيداً من خبرته المتقدمة في مشاريع الطاقة المتجددة.
إن تسريع خطوات الاستثمار في إنتاج الهيدروجين الأخضر يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة للاستخدامات الصناعية وتوليد الكهرباء وقطاع النقل. كما أن الموقع الجغرافي للأردن والبنية التحتية المتنامية في قطاع الطاقة قد يؤهلانه ليكون مركزاً إقليمياً لإنتاج وتصدير هذا الوقود النظيف في المستقبل.
سادساً: أهمية الربط الكهربائي الإقليمي
يمثل الربط الكهربائي مع الدول المجاورة أحد الأدوات المهمة لتعزيز أمن التزويد بالكهرباء، خاصة في حالات الطوارئ أو خلال فترات ارتفاع الطلب على الطاقة. وفي هذا الإطار تبرز أهمية مشروع الربط الكهربائي بين الأردن والمملكة العربية السعودية، والذي سيوفر قدرة إضافية لتبادل الكهرباء بين البلدين والاستفادة من اختلاف أوقات الذروة في الطلب.
كما أن تعزيز الربط الكهربائي القائم مع مصر وسوريا ولبنان من خلال سوريا يضيف بعداً مهماً لاستقرار الشبكة الكهربائية الأردنية، حيث يمكن استيراد الكهرباء عند الحاجة أو تصدير الفائض في أوقات انخفاض الطلب. وتوفر هذه الروابط الإقليمية مرونة تشغيلية كبيرة للنظام الكهربائي، وتعمل كشبكة أمان إضافية في مواجهة أي نقص مفاجئ في قدرات التوليد المحلية.
رؤية استراتيجية للمستقبل
إن الرؤية الاستراتيجية لأمن الطاقة في الأردن تقوم على التحضير المبكر لمرحلة ما بعد الاتفاقيات الحالية لتوريد الغاز من البحر المتوسط، والتي ستنتهي عاجلاً أم آجلاً. لذلك فإن اعتماد مزيج متكامل من الخيارات – السريعة والمتوسطة والطويلة الأجل – يمثل الطريق الأمثل لضمان استدامة قطاع الكهرباء.
فاستدامة مصادر الطاقة لا تقوم على خيار واحد، بل على منظومة متكاملة تشمل تعزيز استيراد الغاز المسال وتجهيز البنية التحتية الخاصة به، والتوسع المدروس في استغلال الصخر الزيتي، والاستثمار الجاد في تطوير الغاز المحلي من حقل الريشة وربطه بخط الغاز العربي، إضافة إلى تسريع مشاريع تخزين الطاقة المتجددة، وتعزيز الربط الكهربائي الإقليمي، والانخراط المبكر في اقتصاد الهيدروجين الأخضر.
بهذا النهج المتدرج والمتكامل، يمكن للأردن أن يبني منظومة طاقة أكثر استقراراً وأقل عرضة للصدمات الخارجية، وأكثر قدرة على التحكم في كلف إنتاج الكهرباء مستقبلاً.
حفظ الله الأردن آمناً مستقراً،
والله من وراء القصد.