facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




نداء إلى ضمير العالم: أوقفوا حروب الأرض قبل أن تُطفئ الحياة


د. هيفاء ابوغزالة
19-03-2026 10:13 AM

لم تعد الحروب مجرد صراعاتٍ تُدار على حدودٍ مرسومة، ولا نزاعاتٍ تُقاس بخسائر بشرية أو مكاسب جغرافية. ما نشهده اليوم هو انزلاقٌ خطير نحو تدميرٍ شامل، لا يهدد دولة بعينها، بل يضع الكوكب كله على حافة الهاوية. الأرض، التي صمدت أمام الكوارث الطبيعية عبر ملايين السنين، باتت اليوم مهددة بفعل الإنسان نفسه.

في زمنٍ تتسارع فيه الأزمات، تتقاطع نيران الحروب مع أزمات التغير المناخي، لتخلق واقعًا أكثر قسوة وتعقيدًا. فالقنابل لا تقتل البشر فقط، بل تفتك بالبيئة، وتلوّث الهواء والمياه، وتحوّل الأراضي الخصبة إلى مساحاتٍ ميتة. ومع كل انفجار، تتراجع قدرة الأرض على التعافي، ويزداد العبء على نظام بيئي بات هشًا إلى حدٍ مخيف.

لكن الخطر الأكبر لم يعد فقط في الدمار المباشر، بل في ما يليه: القضاء على المواد الأساسية للحياة. المياه تُستنزف أو تُلوّث، الأراضي الزراعية تُحرق أو تُهجَر، وسلاسل الإمداد تنهار تحت وطأة الصراع. هنا، لا نتحدث عن حربٍ تقليدية، بل عن إعادة البشرية قسرًا إلى زمن البحث البدائي عن لقمة العيش وقطرة الماء. إنه انهيار تدريجي لأسس الحضارة، حيث يتحول الإنسان من صانعٍ للتقدم إلى أسيرٍ للندرة.

إن ما يحدث اليوم يهدد جوهر الأمن البيئي، حيث تصبح الموارد الطبيعية – من مياهٍ وغذاءٍ وطاقة – أدواتٍ للصراع بدل أن تكون أساسًا للحياة. وحين تُستنزف هذه الموارد في الحروب، فإننا لا نخسر الحاضر فقط، بل نسرق المستقبل من الأجيال القادمة، وندفع العالم نحو فوضى الموارد، حيث لا قانون سوى البقاء.

لقد أثبتت التجارب أن الحروب لا تُبقي ولا تذر. يكفي أن نستحضر آثار حرب فيتنام، حيث لا تزال التربة والمياه تعاني من التلوث الكيميائي حتى اليوم، أو تداعيات حرب الخليج 1991 التي حوّلت السماء إلى دخانٍ أسود، وألحقت أضرارًا بيئيةً هائلة. هذه ليست أحداثًا من الماضي فقط، بل إنذاراتٌ لما قد يكون عليه المستقبل إذا استمر هذا النهج.

المشكلة لم تعد في اندلاع الحروب بحد ذاته، بل في نوعية الأسلحة المستخدمة، وفي غياب أي خطوطٍ حمراء تحمي الكوكب. فالتصعيد المستمر، واستخدام تقنياتٍ أكثر تدميرًا، يفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية قد تشمل تدميرًا بيئيًا واسع النطاق، وربما ما هو أسوأ.

إن حماية الكوكب لم تعد قضية بيئية فقط، بل أصبحت قضية وجود. وهنا تبرز مسؤولية المجتمع الدولي، ليس عبر بيانات الشجب، بل من خلال إعادة الاعتبار لمنظومة القيم التي تحكم العالم. على رأسها تفعيل دور الأمم المتحدة، وتطبيق قواعد القانون الدولي التي تُجرّم استهداف البيئة، وتُحاسب على الجرائم البيئية كما تُحاسب على الجرائم الإنسانية.

لكن المسؤولية لا تقع على الدول وحدها. فالرأي العام العالمي، والمؤسسات الإعلامية، والمجتمعات المدنية، جميعها مطالبة بأن تتحول من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل. لم يعد الصمت خيارًا، لأن كلفة الصمت باتت تعادل كلفة الدمار نفسه.

في النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل من عاقل يوقف هذا الانحدار؟ هل من إرادةٍ دوليةٍ حقيقية تُدرك أن تدمير الموارد الأساسية هو تدميرٌ للحياة نفسها؟ إن إنقاذ الكوكب يبدأ من إدراك حقيقةٍ بسيطة: لا يوجد طرفٌ منتصر في حربٍ تُدمّر الأرض. فحين ينهار التوازن البيئي، لن تنفع الحدود، ولن تحمي الجيوش أحدًا.

القوة الحقيقية ليست في القدرة على التدمير، بل في القدرة على حماية ما تبقى. وإذا لم يُدرك العالم هذه الحقيقة سريعًا، فإننا لن نكون أمام حافة الهاوية فقط… بل سنكون قد بدأنا السقوط بالفعل





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :