القواعد العسكرية أم القواعد الاقتصادية… من يحمي الدول؟
د. حمد الكساسبة
21-03-2026 01:01 PM
في ظل التصعيد المتسارع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم تعد المواجهة اختبارًا عسكريًا فقط، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمفهوم الحماية ذاته. فالسؤال اليوم لم يعد من يملك القوة الأكبر، بل من يمتلك القدرة على الاستمرار في بيئة تتصاعد فيها المخاطر.
وما تكشفه هذه الحرب يتجاوز ميدان القتال، إذ إن القواعد العسكرية المنتشرة في عدد من الدول العربية لم تمنع انتقال التوتر، بل جعلت هذه الدول أقرب إلى مركزه. ومع استهداف بعضها أو التلويح بذلك، تغيّر دورها من أدوات ردع إلى نقاط احتكاك محتملة، ما أعاد طرح دورها من جديد.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح؛ فالقواعد التي كان يُفترض أن توفر الحماية أصبحت في بعض الحالات مصدرًا للمخاطر، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال مباشر: هل الوجود العسكري يحيّد الدول عن الصراع، أم يضعها ضمن نطاقه؟
ومع هذا التحول، لم تعد المشاركة في الحرب مرتبطة بالقرار السياسي فقط، بل أصبحت في بعض الحالات نتيجة للموقع أو لطبيعة الارتباط الأمني. فبعض الدول تجد نفسها ضمن دائرة التوتر حتى دون أن تكون طرفًا مباشرًا، وهو ما يعكس نمطًا جديدًا من الانجرار غير المباشر إلى الصراع.
ولا يقف الأمر عند الجانب الأمني، بل يمتد إلى الاقتصاد بشكل مباشر. فمع ارتفاع مستوى المخاطر، ترتفع كلفة التأمين، وتتراجع الاستثمارات، وتصبح سلاسل الإمداد أكثر هشاشة، وهو ما يؤكد أن الحماية العسكرية لا تعني بالضرورة حماية الاقتصاد.
ومع اتساع هذه الآثار، تتكشف كلفة التحالفات نفسها. فالارتباط بالمنظومات الأمنية الكبرى قد يوفر ردعًا مؤقتًا، لكنه في الوقت ذاته يربط الاقتصاد بمصادر توتر خارجية، ما يزيد من درجة الانكشاف بدل أن يقللها.
وفي المقابل، لا يتعامل الاقتصاد العالمي مع هذه المعادلة بنفس المنطق؛ فالمستثمر لا يبحث عن وجود قواعد عسكرية، بل عن بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ. ولهذا، فإن رأس المال يتحرك بعيدًا عن المخاطر، وليس نحو مراكز القوة العسكرية.
ومن هنا، تتغير قواعد القوة بشكل واضح؛ فلم يعد التفوق العسكري وحده كافيًا لحماية الدول، بل أصبح الاقتصاد هو خط الدفاع الحقيقي. فالدول التي تملك اقتصادًا مرنًا ومتنوعًا تكون أكثر قدرة على التكيف، بينما تبقى الدول المعتمدة على الحماية الخارجية أكثر عرضة للاهتزاز.
وهذا يقود إلى خلاصة واضحة، وهي أن الحماية لم تعد تُبنى بالقواعد العسكرية فقط، بل بالقواعد الاقتصادية. فالمصانع تعزز الإنتاج، والجامعات تطور المعرفة، ومراكز التكنولوجيا تقود الابتكار، إلى جانب تعاون اقتصادي حقيقي مع الحلفاء لا يقتصر على الجانب الأمني.
وفي النهاية، لم تعد الحماية تُقاس بعدد القواعد العسكرية، بل بقدرة الدولة على إنتاج قوتها من الداخل. فالدول التي تبني اقتصادها تحمي نفسها، أما الدول التي تعتمد على الحماية الخارجية، فقد تكتشف عند أول اختبار أن هذه الحماية لم تكن أكثر من مظلة مؤقتة.