الحرب أكبر من الإقليم
النائب السابق ذياب المساعيد
22-03-2026 07:03 PM
لكل حرب اسباب وأهداف معلنة، واخرى خفية جوهرية تشكل محركات ووقود للامم الحية لتخوض حروبها وفق موازين وحسابات لا تتعلق بالقوة والانية فقط، بل بمسافات من الزمن المستقبلي يضمن لها البقاء والمكانة والاستمرارية، ويمكن لها اسباب القوة والسيطرة لتفرض نفسها كامة وحضارة في مرجل العولمة والتزاحم والاحتكاك الناعم والخشن (عسكري, ثقافي, اقتصادي, حضاري, علمي ).
وها نحن في منطقتنا، نعيش اجواء حرب تتداخل فيها الاسباب والاهداف،، ولكن الاعمق منها يصل للعقيدة والهوية والمشروع ومستقبله، وهي حرب ( امريكا اسرائيل ايران) والتي ارى انها في مرحلتها الرابعة، اذ انها بدات منذ زمن، بتأني وطول نفس، باختراق امني ممنهج عجيب للجسد ( الاجتماعي الامني العسكري) الايراني، من خلال بناء شبكة جاسوسية اسرائيلية لم تكتف بجمع المعلومات فقط، بل كانت ذراع متقدمة فتاكة, فعلت ما فعلت بالقادة والمواقع المهمة، ثم كانت المرحلة الثانية بانهاء الاذرع والتوابع التي بنتها ايران - وللاسف - على حساب الامن القومي العربي، ثم بعد ذلك حرب الاثني عشر يوما، والتي كانت جس نبض ليس فقط لايران وقوتها، بل لحلفائها الذين اثبتوا عدم موثوقيتهم، وها هي المرحلة الاخيرة، حرب مدمرة، نقلت الحروب الى جيل جديد، يجب معه اعادة النظر بالعقائد العسكرية وبالذات التقليدية السائدة في منطقتنا ( وقد كانت توجيهات جلاله الملك باعادة هيكلة القوات المسلحه - قبل فتره قصيرة - بما يتلائم مع المستجدات, هي رؤية نابعة من فهم عميق جدا واستشراف مبني على حقائق نعيشها مع يوميات هذه الحرب), ما يهمني ان هذه الحرب تضم اربعة مكونات او اطراف يجب ان تدرس بعناية ودقة من حيث الاهداف والاصرار وطول النفس، لعل الامر يكون فيه عبرة وصحوة وتصحيح مسار .
الطرف الاول. امريكا بنزعتها الترامبية، والتي اهم ما يميزها سرعة القرار وجرأته، فترامب، الرئيس المهووس بحلم عظمة امريكا، يريد جر العالم كله لتبعية امريكا، والرجل ينجح بذلك على ارض الواقع فهاهم اقطاب العالم من روسيا للصين للاتحاد الاوروبي لا يجرؤون على تصريح فكيف بالمعارضة، فهو ينطلق من عقيدة وحضارة وقوة ترسخت في ذهنه ايمان يوجب عليه التحرك لتحقيق حلمه (امريكا اولا ) ولا يعبئ باية محرمات او معيقات دينية سياسية اقتصادية قد تثنيه عما يريد، فوسائله مهما قيل عنها مبررة عنده بنبل غايته.
والطرف الثاني. اسرائيل الكيان المحتل المختل، بقيادة ارهابي دموي توراتي مشبع بالامس البعيد حد ( يهودا والسامرة)، وتغريه نبوءات اشعياء والرؤيا بحلم مجنون، فخاض حروبه على مدى الاعوام الثلاثة الماضية، وقد حققت له - للاسف- ما يريد من شرق اوسط جديد منزوع الدسم واللون, تائه رخو مفتوح على كل الاحتمالات، شرق اوسط يتم ضبطه وفق مصالح اسرائيل وحساباتها, شرق اوسط مخالف لمعطيات التاريخ والجغرافيا والمنطق، تتسيده قلة محتلة، وتغرق في مستنقعه واستحقاقاته امة بعدد الشجر والحجر، لكنها بلا حول ولا قوة.
الطرف الثالث. ايران ( الدولة العقدية المذهبية ) والتي ملات الدنيا ضجيجا ذات يوم بثورة كشفت الايام انها تلاعبت بالدين لخدمة فارسيتها، فكانت وبالا على الاقليم وعلى العرب بالذات، ولكن رغم الغباء السياسي، ورغم الدمار وبدايات الانهيار الكلي للدولة، ان ما يثير العجب ولا اقول ( الاعجاب ) تمسك قادتها بعقيدتهم وقوميتهم واهدافهم وموتهم عليها.
والطرف الرابع. العرب، وحتى لا نظلم انفسنا كثيرا،فان الحرب اكبر من طاقة الاقليم كله، فدول كبرى ذات مصالح حيوية في المنطقة، التزمت الصمت والحياده وغض النظر، الا ان العرب كأمة، وبحكم الموقع والثروات، وحكم عقدة اسرائيل وعقيدتها، وبحكم ضعفهم في ميزان الصراع العسكري الجاري، ورغم انهم الاكثر عددا ومالا ، الا انهم الاقل تاثيرا والاكثر تاثرا، بل انهم اصبحوا ساحة لصواريخ ايران ومسيراتها والتي ارادتهم هي واسرائيل وقودا ليس الا بحرب لم يبداوها ولن تكون بايديهم نهايتها، والاسباب كثيرة وموجعة لكن ما بين ( ترامب وحلمه بعظمه امريكا ) و (نتنياهو وحلمه باسرائيل الكبرى) و (المعممين وسعيهم لفارسيتهم وايام كسرى ) ما بين هذا وذاك، اليس لنا فيما يجري درس عبرة: ان الامم الحية تجعل احيانا من ( الشر سياج) فالحرب ليست للقتل فقط، بل لها وجه اخر يتعلق بالمصلحة العليا الضرورية للامة وعقيدتها وهويتها وبقائها.
هذه الحرب ليست كسابقاتها، اذ قد تفضي إلى كسر قطب في الإقليم، وسيكون هناك فراغ وعواقب، هذه الحرب ستنتهي، ويتبين بعد غبارها واقع جديد، وعلى العرب الا يضيعوه، بعد كسر عدو، للجم عدو اخر مزهو بنصر قد يغريه بالكثير وعلى حسابنا نحن العرب.