ما تتركه الحرب في العقول اخطر مما تتركه على الخرائط ..
محمد حسن المومني
22-03-2026 09:28 PM
تنتهي المعارك احيانا قبل ان تبدأ آثارها الحقيقية. فالدخان ينقشع، والخرائط تبقى كما هي ظاهريا، لكن شيئا اعمق يكون قد تغير في الداخل؛ في نظرة الناس الى العالم، وفي ثقتهم بالمؤسسات، وفي تعريفهم للعدالة والقوة والنفاق السياسي. هذا بالضبط ما تفعله الحرب الحالية. اثرها لن يقاس فقط بعدد الضحايا او حجم الدمار، بل بما ستتركه في الوعي السياسي العربي عموما، وفي الوعي الوطني داخل الدول الاكثر التصاقا بما يجري خصوصا.
الحرب الطويلة لا تنتج فقط غضبا. هي تنتج ايضا شكا عميقا، وفجوة متزايدة بين الخطاب والواقع، وتآكلا في ثقة الناس بما يسمعونه من العالم ومن نخبهم المحلية على السواء. ومع الوقت، لا يبقى السؤال من انتصر ومن خسر بالمفهوم العسكري فقط، بل من احتفظ بصدقيته، ومن فقدها، ومن بدا للناس انه يرى ما يرونه فعلا لا ما يريد ان يلقنهم اياه.
البعض يهون من هذه المسألة ويقول ان المجتمعات تعتاد الصدمات، وان الاولويات المعيشية ستبتلع كل شيء في النهاية. هذا صحيح جزئيا، لكنه لا يشرح الصورة كاملة. نعم، الناس تعود الى حياتها. لكنها لا تعود كما كانت تماما. تتغير حساسياتها، وتتبدل عتبة قبولها للخطاب الرسمي، وتصبح اكثر ميلا الى اختبار الصدقية لا الاكتفاء بالشعارات. وهنا تبدأ آثار ما بعد الحرب الحقيقية.
في الاردن، لا يمكن الاستهانة بهذا البعد. الدولة تمتلك خبرة طويلة في ادارة التوازن الداخلي، وفي الجمع بين الاستقرار والانفتاح النسبي، لكن ذلك لا يلغي حساسية البيئة الاجتماعية والسياسية تجاه ما يجري في فلسطين والاقليم. وكلما طال امد الحرب، وكلما اتسعت الفجوة بين اللغة الدولية والواقع، تزداد الحاجة الى خطاب وطني اكثر ذكاء؛ الخطاب الذي يشرح ولا يكتفي بالتوجيه، الذي يحتوي ولا ينكر، ويحترم حساسية المجتمع من دون ان يتركها نهبا للارتجال او الاستغلال.
الامن هنا لا يبدأ فقط من الحدود او الاجهزة او الاجراءات. يبدأ ايضا من قدرة الدولة على ان تبدو مفهومة لمجتمعها. حين يشعر الناس ان الدولة ترى ما يرونه، وتفهم ما يقلقهم، وتتصرف ضمن مصلحة واضحة ومعلنة، يرتفع منسوب الثقة حتى في الظروف الصعبة. اما حين تتسع الفجوة بين الاحساس العام والخطاب الرسمي، فان اكثر الدول انضباطا قد تجد نفسها امام احتقان صامت يتراكم بهدوء.
ولهذا فان ادارة الوعي ليست ترفا اعلاميا، بل جزء من صلب الاستقرار. لا بمعنى التوجيه الدعائي، بل بمعنى بناء سردية وطنية صادقة ومتوازنة؛ ما الذي يحدث فعلا؟ ما الذي يهدد البلد؟ ما الذي تستطيع الدولة فعله وما الذي لا تستطيع فعله؟ وما هي حدود الحركة الواقعية؟ هذا النوع من الوضوح يحصن الداخل اكثر من عشرات العبارات العامة.
فالحروب تغير الخرائط احيانا، لكنها تغير العقول دائما. وفي دول المنطقة، من لا يقرأ ما يحدث في العقول يقرأ نصف المشهد فقط. اما النصف الاخر، فهو الذي يقرر لاحقا كيف سيتصرف الناس، وكيف ستتماسك الدولة، وكيف سيفهم معنى الاستقرار نفسه.