حين تُختزل الحروب… كيف نضلّ الطريق إلى الحقيقة؟
صالح الشرّاب العبادي
22-03-2026 11:14 PM
في كل مرة يشتد فيها الصراع في الإقليم، يندفع الخطاب العام نحو اختزال مريح: سردية واحدة، تفسير واحد، وعدو واحد ، وكأن تعقيد الجغرافيا السياسية يمكن تفكيكه بجملة حاسمة أو قراءة أحادية للتاريخ. غير أن أخطر ما في هذه المقاربات ليس خطؤها فقط، بل قدرتها على خلق وهم الفهم، حيث يظن المتلقي أنه أدرك الحقيقة، بينما هو في الواقع غادرها.
ليس دقيقًا اختزال المشهد الراهن في كونه امتدادًا لصراع فارسي–غربي عمره آلاف السنين ، فالتاريخ لا يُعاد إنتاجه بنسخ متطابقة، بل يُعاد توظيفه داخل سياقات جديدة، تحكمها بنية النظام الدولي وتوازناته ، ما نشهده اليوم لا يشبه حروب الإمبراطوريات القديمة إلا في رمزيته العامة، أما جوهره فمختلف؛ إذ يتشكل ضمن منظومة عالمية معقدة تتداخل فيها اعتبارات القوة العسكرية مع الاقتصاد، والطاقة، والتكنولوجيا، وشبكات التحالف المتغيرة. إن استدعاء التاريخ بوصفه التفسير الوحيد لا يكشف الحقيقة، بل يختزلها في صورة مبسطة تُريح الذهن وتُضلل الفهم.
وفي المقابل، فإن نفي البعد الديني بالكامل لا يقل اختزالًا عن تضخيمه. فالدين في هذه الصراعات ليس مجرد زينة خطابية، كما أنه ليس المحرك الأوحد ، إنه أداة تعبئة وشرعنة تُستدعى حينًا وتُهمَّش حينًا آخر، وفقًا لمقتضيات السياسة ومصالح الفاعلين. تجاهل هذا الدور يُفقد التحليل أحد أهم مفاتيحه، بينما تضخيمه يُحوّل الصراع إلى مواجهة عقائدية صِرفة، وهو توصيف لا يصمد أمام الوقائع.
أما فلسطين، فهي المثال الأوضح على هذا التعقيد. فحصرها في خانة “الشعار الفارغ” يتجاهل حقيقة أكثر تركيبًا ، نعم، هناك توظيف سياسي واضح للقضية، لكن هذا التوظيف لا ينفي وجود أثر فعلي على الأرض، ولا يثبت في الوقت ذاته وجود إرادة حاسمة لتحريرها. نحن أمام معادلة رمادية، حيث تُستخدم فلسطين كأداة نفوذ إقليمي، دون أن تُحسم كهدف نهائي ، وهذه ليست خصوصية طرف بعينه مثل ايران ، بل نهج يتكرر بأشكال مختلفة لدى قوى إقليمية متعددة، خاصة في ظل التحولات السياسية الأخيرة، وصعود مقاربات عربية–إسرائيلية أعادت تشكيل الأولويات، وخلقت مساحات جديدة لإعادة تعريف “العدو” و”الحليف”.
وفي قلب هذا الجدل، تبرز دعوات متكررة للاعتماد على الذات، وهي دعوات تحمل قدرًا من الصواب، لكنها كثيرًا ما تُحمّل الفرد ما لا يحتمله الواقع السياسي ، فالأزمة العربية ليست مجرد أزمة وعي، بل هي نتاج بنية كاملة من القيود: تحالفات دولية معقدة، هشاشة اقتصادية، انقسامات داخلية، وتباينات حادة في الرؤى الاستراتيجية ، إن اختزال هذه البنية في مسألة “نهوض فردي” يُغفل عمق الإشكال، ويُحوّل القضية من سؤال سياسي إلى وعظ أخلاقي.
إن ما نعيشه اليوم ليس صراعًا بسيطًا يمكن قراءته بعدسة واحدة، بل هو صراع متعدد الطبقات، تتداخل فيه الجغرافيا بالتاريخ، والمصالح بالأيديولوجيا، والواقع بالخطاب، والقوة بالضعف، والتحالفات بالتناقضات ، كما أن النظرة العربية للصراع مع إسرائيل لم تعد ثابتة كما كانت، بل شهدت تحولات عميقة أعادت تشكيل أولويات السياسة الإقليمية، وفتحت الباب أمام مقاربات جديدة، بعضها براغماتي وبعضها اضطراري، تفرضه حسابات الواقع أكثر مما تمليه القناعات.
وفي خضم هذا التعقيد، يتشكل المشهد بين عدو تقليدي واضح المعالم يتمثل في الاحتلال الإسرائيلي بسياساته التوسعية وممارساته على الأرض، وبين خصم إقليمي تسعى سياساته إلى توسيع النفوذ عبر أدوات متعددة تمزج بين الأيديولوجيا والاستراتيجية ، وبين هذين المسارين، تجد دول الإقليم نفسها في موقع بالغ الحساسية، تحاول الموازنة بين احتواء التوتر وتجنب الانزلاق إلى صراعات مفتوحة، قد تخدم في النهاية اطراف النزاع او احدهما أكثر مما تخدم مصالحها الوطنية.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن نقع فيه هو استبدال اختزال بآخر، أو عاطفة بأخرى ، فالسرديات الحادة، مهما بدت جريئة أو مختلفة، قد لا تكون سوى انعكاس لزاوية نظر ضيقة، لا قراءة شاملة للمشهد ، والتحليل الحقيقي لا يبدأ من اليقين، بل من الشك المنهجي؛ لا يكتفي بالإجابة، بل يعيد طرح السؤال.
لأن فهم الصراع… هو أول شروط النجاة منه.