من إدارة الصراع إلى هندسة الإقليم: قراءة في ما بعد محاضرة المصري
د. هيفاء ابوغزالة
26-03-2026 01:21 PM
لم تعد تطورات الشرق الأوسط تُفهم من خلال عدسة “التصعيد والتهدئة” فقط، ولا من خلال ثنائية الحرب والسلام التقليدية. ما نشهده اليوم أعمق من ذلك بكثير: نحن أمام إعادة هندسة بطيئة ومدروسة للإقليم، تُدار فيها الصراعات بدل أن تُحسم، وتُضبط التوازنات بدل أن تُكسر.
في هذا السياق، جاءت محاضرة معالي سعيد المصري في جمعية الشؤون الدولية لتقدم قراءة استراتيجية تتجاوز ظاهر الأحداث إلى ما يجري في عمقها. لم تكن المحاضرة توصيفًا للأزمة، بل تفكيكًا لمنطق جديد يحكمها: منطق “إدارة الصراع” كبديل عن “حسمه”.
الطرح الأساسي الذي يمكن البناء عليه، أن القوى الكبرى لم تعد ترى في الحروب الشاملة أداة فعالة لإعادة تشكيل المنطقة، بل باتت تميل إلى إبقاء الخصوم ضمن حالة “قابلة للإدارة”. فإضعاف الخصم دون إسقاطه، وضبط سلوكه دون دفعه إلى الانهيار، أصبح خيارًا استراتيجيًا مفضلًا، لأنه يقلل كلفة الفوضى ويزيد من هامش التحكم.
غير أن أهمية المحاضرة لم تقف عند هذا التشخيص، بل تعمقت أكثر خلال النقاش الذي تلاها، حيث أغنت المداخلات — من كوكبة متميزة من رجالات الدولة والإعلاميين والسياسيين — الطرح، ونقلته من مستوى التحليل النظري إلى اختبار واقعي متعدد الزوايا.
في هذا النقاش، برزت ثلاث ملاحظات جوهرية:
أولاً، أن “إدارة الصراع” ليست حالة استقرار، بل صيغة جديدة من عدم الاستقرار المُقنن. هي لا تُنهي التوتر، بل تعيد تدويره ضمن حدود محسوبة. وهذا يعني أن المنطقة قد تدخل مرحلة طويلة من “اللا حسم”، حيث تُدار الأزمات بدل أن تُحل.
ثانيًا، أن هذا النموذج يعمّق الاعتماد الأمني والاقتصادي على القوى الكبرى، خصوصًا في مناطق حساسة مثل الخليج، حيث يصبح التهديد المستمر — حتى وإن كان مضبوطًا — عاملًا لإعادة تشكيل السياسات والتحالفات.
ثالثًا، أن التحول الأخطر يكمن في انتقال مركز الثقل من “الجغرافيا السياسية” إلى “جغرافيا الممرات”. لم تعد الحدود وحدها هي محل الصراع، بل الممرات البحرية، وخطوط الطاقة، والبنية التحتية الرقمية، التي باتت تشكل العمود الفقري للاقتصاد العالمي. أي خلل في هذه الشبكات لم يعد شأنًا إقليميًا، بل أزمة دولية فورية.
وفي خضم هذا التحول، برزت ملاحظة حاسمة خلال النقاش: أن تجاهل القضية الفلسطينية في أي تصور لإعادة هندسة الإقليم ليس فقط خللًا أخلاقيًا، بل خطأ استراتيجيًا. إذ لا يمكن بناء استقرار طويل الأمد على قاعدة تتجاهل أحد أهم مصادر التوتر التاريخية في المنطقة.
ما بين المحاضرة والنقاش، تتضح ملامح مشهد جديد:
تحالفات مرنة بدل التكتلات الصلبة،
ردع متعدد الأبعاد بدل القوة العسكرية التقليدية،
وتوازنات تُدار باستمرار بدل أن تُحسم.
أرى أن ما طرحه معالي سعيد المصري يمثل قراءة دقيقة وعميقة لطبيعة التحول الجاري، خاصة في تفكيكه لفكرة “إدارة الصراع” بوصفها الإطار الحاكم للمرحلة. غير أن الأهم من ذلك هو ما كشفه النقاش المرافق من أن هذا النموذج، رغم قدرته على منع الانفجار، لا يحمل في داخله بذور الحل.
نحن، في تقديري، لا نتجه فقط إلى إدارة الصراع، بل إلى تثبيته بصيغ جديدة: صراع منخفض الحدة، مرتفع الكلفة، طويل الأمد. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام استقرار ذكي… أم أزمة مؤجلة؟
في المحصلة، كانت المحاضرة — بما تبعها من نقاش ثري — منصة لفهم ما وراء الأحداث، لا مجرد متابعة لها.
وقد نجحت في طرح السؤال الأهم:
ليس كيف تنتهي الصراعات… بل كيف تُدار، ومن يدفع ثمن إدارتها