إسرائيل .. الوعد الذي انقلب خوفًا: حين يصبح الملاذ أخطر من المنفى!
حلمي الأسمر
26-03-2026 07:41 PM
لم يعد ما يجري داخل إسرائيل يُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق أو تلك التي تُعترض، بل بمدى التآكل الذي يصيب الفكرة نفسها التي قامت عليها الدولة: فكرة “الملاذ الآمن”. فمع كل صفارة إنذار، ومع كل اندفاع نحو الملاجئ، يتكشف أن المعركة لم تعد فقط على الأرض أو في السماء، بل في عمق الوعي الإسرائيلي ذاته. وما كان يُسوَّق لعقود بوصفه “أكثر مكان أمانًا لليهود في العالم” بدأ، وفق شهادات من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، يفقد هذا المعنى تدريجيًا.
في شمال فلسطين المحتلة، حيث تُختبر هذه الفكرة على تماس مباشر مع الخطر، خرج رئيس بلدية كريات شمونة بتصريحات لوسائل إعلام عبرية تعكس حجم التحول، مؤكدًا أن المدينة “تُفرَّغ تدريجيًا من سكانها”، وأن الثقة بقدرة الدولة على الحماية “تتآكل يومًا بعد يوم”. لم يكن هذا توصيفًا عابرًا، بل إقرارًا بأن ما يحدث لم يعد جولات تصعيد تقليدية، بل حالة استنزاف مستمرة للحياة اليومية، حيث يصبح البقاء نفسه قرارًا صعبًا. وحين تبدأ مدينة حدودية بالتفكك اجتماعيًا ونفسيًا، فإن الأمر لا يبقى محصورًا في الجغرافيا، بل يمتد كإشارة إنذار لبقية الداخل.
وفي تغطيات يديعوت أحرونوت وموقع Ynet، يتكرر توصيف يكشف جوهر التحول: “عدد كبير من الإصابات لا ينتج عن إصابات مباشرة، بل عن الشظايا أو أثناء التوجه إلى الملاجئ”. هذا الاعتراف ينسف ضمنيًا الرواية التقليدية عن فعالية الحماية؛ فحتى عندما تنجح المنظومات الدفاعية في اعتراض الصواريخ، فإن الخطر لا يختفي بل يتشظى، حرفيًا، فوق رؤوس السكان. وهنا يتحول الاعتراض من نهاية للتهديد إلى بداية لنوع آخر منه، حيث تصبح الشظايا والهلع جزءًا من معادلة الإصابة.
أما في معاريف، فقد ظهرت لغة أكثر صراحة، إذ نُقل عن مصادر عسكرية أن “لا وجود لحماية كاملة”، وهي العبارة التي ترددت أيضًا في بيانات قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية، التي أكدت أن الالتزام بالتعليمات “يقلل المخاطر لكنه لا يلغيها”. هذا التحول اللغوي يحمل دلالة عميقة؛ فالدولة التي بُنيت عقيدتها الأمنية على التفوق والسيطرة تجد نفسها اليوم تتحدث بلغة إدارة الخطر، لا منعه، وهو انتقال من اليقين إلى الاحتمال، ومن الثقة إلى القلق.
وفي قلب إسرائيل، حيث كان يُفترض أن المسافة من الجبهات تمنح شعورًا بالأمان، ركزت تقارير القناة 12 الإسرائيلية على أن “وصول الصواريخ إلى مركز البلاد” يضاعف عدد الإصابات بسبب الكثافة السكانية، ما يعني أن كل اختراق، حتى لو كان محدودًا، يتحول إلى حدث واسع التأثير. ومع الحديث في التحليلات العبرية عن صواريخ أكثر دقة أو ذات رؤوس انشطارية، فإن المعادلة لم تعد مرتبطة بعدد الصواريخ، بل بقدرة كل صاروخ على إنتاج أكبر قدر ممكن من الأثر، ماديًا ونفسيًا.
وفي خلفية هذه الصورة، تتراكم شهادات من مسؤولين محليين في الشمال تتحدث عن ظاهرة أخطر من الصواريخ نفسها: فقدان الإحساس بالاستقرار. فالسكان، كما تنقل وسائل الإعلام العبرية، لا يغادرون فقط خوفًا من الضربة المباشرة، بل لأن العودة بعد كل جولة تصبح أصعب، والثقة بأن “الأسوأ قد انتهى” لم تعد موجودة. هذا التراكم الزمني يحول الخطر من حدث طارئ إلى حالة دائمة، ومن استثناء إلى قاعدة.
القطاع الصحي بدوره يعكس هذا التحول، حيث تشير التقارير إلى ضغط متزايد على أقسام الطوارئ، ليس فقط بسبب الإصابات الجسدية، بل نتيجة حالات الهلع والصدمة النفسية التي تتكرر مع كل موجة. وهنا يتغير تعريف الخسارة: لم تعد تُقاس بعدد القتلى فقط، بل بعدد الأشخاص الذين يعيشون تحت ضغط دائم، وهو ما يترك أثرًا طويل الأمد على المجتمع ككل.
وفي تحليل نشرته هآرتس، جرى توصيف التهديد الحالي بأنه “مزيج من الدقة والكثافة والتأثير النفسي”، مع التأكيد أن التحدي لم يعد في منع إطلاق الصواريخ، بل في الحفاظ على نمط حياة طبيعي تحت النار. هذه الجملة تختصر المأزق: حين تصبح الحياة اليومية نفسها معركة، فإن ميزان القوة لا يُقاس فقط بالسلاح، بل بقدرة المجتمع على الاحتمال.
ما يتشكل من مجموع هذه الشهادات ليس مجرد صورة حرب، بل صورة تحوّل. فإسرائيل التي قامت على وعد الحماية لليهود تجد نفسها أمام واقع تتزايد فيه الإصابات، وتتآكل فيه الثقة، وتتراجع فيه القدرة على إقناع مواطنيها بأنهم يعيشون في المكان الأكثر أمانًا. وبين كريات شمونة التي تتحدث عن مدينة تُفرَّغ، وتل أبيب التي تتلقى الضربات، يتسع الشرخ بين الوعد والواقع.
وهنا، تحديدًا، تكمن المفارقة القاسية: حين يصبح الملاذ نفسه مصدر خوف، فإن فكرة المنفى تفقد معناها التقليدي. لم يعد السؤال أين يكون الخطر، بل أين يكون الأمان حقًا. وفي هذه اللحظة، لا تسقط الصواريخ فقط… بل تسقط معها واحدة من أعمق المسلّمات التي قام عليها الكيان الغاصب..