حين يُختطف القرار .. وتسقط الحكمة في ضجيج المصالح
د. بركات النمر العبادي
28-03-2026 02:50 PM
غياب الحكمة في زمن الفوضى
في زمنٍ تتلاطم فيه الأزمات ، وتتشابك فيه المصالح ، وتعلو فيه أصوات تجار الأزمات وتجار الدم ، يصبح غياب الحكمة جريمة لا تُغتفر، وخيانةً صامتة بحق الوطن ، و ما نشهده اليوم ليس مجرد ارتباك عابر، بل هو انعكاس خطير لتحول عميق في طبيعة إدارة الشأن العام ، حيث لم يعد يتصدر المشهد رجال دولة بحجم التحديات ، بل مدراء مكاتب يتعاملون مع الوطن بعقلية إدارية ضيقة ، لا برؤية سيادية مسؤولة.
لقد أصبح واضحًا أن كثيرًا ممن يجلسون على مقاعد القرار يفتقرون إلى الحد الأدنى من صفات رجل الدولة ؛ فلا حنكة في إدارة الأزمات ، ولا قدرة على قراءة المشهد ، ولا شجاعة في اتخاذ القرار ، وبدلًا من أن يكونوا صمّام أمان ، أصبحوا جزءًا من حالة الفوضى ، يتركون الساحة لأصوات تنعق بالفتنة ، وتبث سموم الفرقة ، وتهرف بما لا تعرف.
إن أخطر ما في الأمر ليس فقط هذا الضعف الإداري ، بل الصمت الإعلامي المريب ، أين وزارة الإعلام ؟ أين المؤسسات الصحفية ؟ أين المنصات الإلكترونية التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن الوعي الوطني ؟ كيف يُترك المجال مفتوحًا لكل من هبّ ودبّ ليعبث بعقول الناس ويشكك بثوابت الدولة دون رادع أو توجيه ؟
إدارة الأزمة إعلاميًا لا تقل أهمية عن إدارتها سياسيًا أو أمنيًا ، بل هي خط المواجهة الأول ، وترك الحبل على الغارب في هذا المجال يعني السماح بتفكك الرواية الوطنية ، وفتح الباب أمام الإشاعات والتأويلات التي قد تضر بالنسيج الوطني أكثر من أي خطر خارجي.
ثم يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا : أين دور رئيس الحكومة ؟ أين الولاية العامة التي يفترض أن تكون حاضرة بقوة في مثل هذه الظروف ؟ ليس من المقبول ، ولا المنطقي ، أن تُلقى كل المسؤوليات على عاتق جلالة الملك ، بينما يغيب الدور التنفيذي الحقيقي للحكومة ، القيادة العليا ترسم الاتجاه ، لكن التنفيذ مسؤولية الحكومة ، وهذه حقيقة لا يجوز القفز فوقها أو التهرب منها.
إن الفرق بين رجل الدولة ومدير المكتب هو الفرق بين من يقود ومن يكتفي بالتسيير ، بين من يتحمل المسؤولية ومن يختبئ خلفها ، بين من يصنع القرار ومن ينتظر التعليمات ، فاليوم لا نحتاج إلى موظفين ، بل إلى رجال دولة ، يملكون الشجاعة ، والرؤية ، والانتماء الحقيقي.
إن بناء الدولة لا يقوم على ردود الفعل ، بل على ترسيخ مؤسسات قوية ، وهو ما تؤكد عليه الأفكار الوطنية التي تنادي بدولة القانون ، وسيادة المؤسسات ، وتعزيز هيبة الدولة دون المساس بحقوق المواطن وكرامته ، فالدولة التي تُدار بالعقل الجمعي المؤسسي ، لا بالأمزجة الفردية ، هي وحدها القادرة على مواجهة الأزمات بثبات.
كما أن الحفاظ على الوحدة الوطنية ليس شعارًا يُرفع ، بل التزامٌ عملي يقتضي محاسبة كل من يعبث بها ، وتجفيف منابع الفتنة ، وتعزيز خطاب وطني جامع ، يضع مصلحة الأردن فوق كل اعتبار، بعيدًا عن الشعبوية والمصالح الضيقة.
وفي هذا السياق ، فإن الحاجة اليوم ليست فقط إلى إدارة أزمة ، بل إلى استعادة نهج الدولة : دولة قوية عادلة ، تحكمها الكفاءة ، ويقودها أصحاب الخبرة ، وتُصان فيها هيبة القرار، ضمن توازن مسؤول بين السلطة والمساءلة.
الوطن لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج… بل إلى وضوح ، ولا إلى شعارات… بل إلى أفعال. فإما أن نعيد الاعتبار لفكرة الدولة الراسخة ، أو نترك الفراغ ليُملأ بما لا يُحمد عقباه. ، والوطن لا يسقط دفعةً واحدة ، بل يتآكل بصمت حين يغيب العقل ، وتُقصى الحكمة ، ويُستبدل الموقف بالحسابات. وحين تصبح الفوضى وجهة نظر، والتردد سياسة ، والضعف أسلوب إدارة ، فإن الخطر لا يكون في العاصفة… بل في من يمسك الدفّة وهو لا يعرف إلى أين تتجه السفينة.
فإما أن نكون على قدر الدولة ، أو نتحول إلى مجرد عابرين في حكايتها
حمى الله الاردن
* حزب المحافظين الاردني