النص المظلوم .. ازمنة التعسف!!
أحمد سلامة
28-03-2026 05:14 PM
تسنى لي الاطلاع على نص خطاب مفعم بالحب رغم قسوة طرح الاسئلة للاستاذ الدكتور نذير عبيدات، رئيس الجامعة الاردنية؛ في احتفال لكلية الاداب بالجامعة، ورغم تغير اسمها إلا انني متشبث بالاسم التي دخلت فيه اليها، وخرجت من بابه الى الحياة..
كان الخطاب مفعما بكل شيء مدهش.. وحزنت !!!
حزنت.. لانه جاء في زمن ظالم مفعم بحالة انقضاض على كل جميل في الحياة (حرب التعدي على الجغرافيا بسطوة الطيران).. فلم يحظ بحقوقه!!
وهذا ليس جديدا في الحياة.. خاصة في بلادنا، لأن الأزمة عنوان حياتنا والاستثناء هو في تمكننا لحظات معدودات التقاط انفاسنا… لا اعتقد ان امة تعرضت لتواصل حملة كاسحة عليها. منذ قرابة الالف عام دون هوادة، دون توقف.. مثل أمة العرب وما جاورها من المسلمين!!
ورغم كل اصوات الصواريخ والطيران والبحرية المعربدة علينا وفوقنا وضدنا… إلا أنني سأكتب عن خطاب نذير عبيدات، فهو (جملة معترضة)
على كل ما نحن فيه..
كدت أن أزل فاتوهم انه (اهم مما نحن فيه لانه يحاول تفسيره) خشيت قول ذلك خشية انزلاقي الى تشخيص عاطفي لما انا بصدد تشخيصه عقليا !!!
لا انكر اولا انني ابن منتم لهذه الكلية بكل اضلعي، وهي التي انجزت مشروع نقلي من بيئة في اغلبها ريفية فلاحية، إلى عالم من المعرفة مدهش، ووهبتني جرأة على الحياة حلت بضراوة مكان حياء وخجل وتوجس مستحكم من مجاورة الزنبق للمقبرة هناك بعيدا على تخوم مدينة الدهر (نابلس)، في بلدة وادعة اسمها (بديا) علمتنا ان الفرح فقط عدة ايام معدودة بعد قطاف موسم الزيتون، نأكل (المسخن) ونفرح لرؤية العملة الورقية بين يدي الاباء، ونغني للحياة.. ثم نعود لوجومنا مع قسوة الحياة
كانت كلية الآداب في الجامعة الاردنية عام ١٩٧٢ م هي (غنوة الحياة الموصولة لا تنقطع) وهي المكتبة، وبيانو سعدية الجابري؛ زوجة الرجل الذي احال (المنصب الى دم شهيد) والمسرح، والاسكواش، وتنس الطاولة.. ومستراح المسطح الاخضر الذي تجالس فيه حبيبتك عليه لتبدأ رحلة حياة عارمة بالبذخ في صبرها على الصعب وتنجبان البنين وتضحك الحياة لكما..
وهي كلية الآداب من تفضلت علي فمنحتني هويتي العمانية التي اوصلتني الى اعتبار عمان قبيلتي النهائية، ووسمتها في كتاب عنوانه (آل عمان)…
وكانت الكلمة في كلية آداب الجامعة الأولى، من رجل اعده في نظري من رجال العلم الذين يمكن منحهم، لقب الأولياء والقساوسة.. تلك الصفة التي تجمع التقوى لحب الله وحب الوطن، واشهد أن (نذيرا) كان مبشرا طوال حياته بذلك..
ولا يعيب نصي هذا اشهار حبي لشخص الدكتور نذير، حبا صافيا خالصا من مركبات عيوب المصلحة او المحاباة او التنفع.. فقد بدأت مشواري صوبه حين قدم استقالته على الهواء مباشرة اثناء حادثة وجع وطني في معركة الكورونا، وليس له علاقة مباشرة فيها.. لكن اخلاقه الوطنية حفزته لذلك..
وهكذا نشأت علاقة من بعيد بيننا انا (الكاتب) الذي رأيت فيه صورة لبطل شعبي نبيل.. وهو الطبيب الذي قبل قدره بتحمل مسؤولية ليست من واجباته، ولهذا اصنفه مع القديسين والاولياء لندرة هذا السلوك في دنيا العرب كلهم!!
وأيضا علي أن أقول أن الجامعة الأولى عندي، مثلما اعتقد دوما أن الوطن (بشخصه الأول) والجامعة برئيسها، والحكومة بمصممها، والمسجد بإمامه، والصحيفة برئيسها.. ان دور الفرد في صناعة التاريخ تظل حاضرة، حتى انبياء الله تميزت رسائلهم وأثرهم وإعداد اتباعهم بما وهبه الله سبحانه لكل نبي منهم…
وبهذا.. فإن الجامعة الاولى، كان لها عندي وقد يرى غيري ما لا اراه وهذا حق مشروع علينا قبوله بدون استبداد بالرأي.. او لقد استذكرت دوما الجامعة الاولى في ملامح اربعة، ومن حسن طالعي انني عاصرتهم الاربعة، طالبا وخريجا، وصحفيا وكاتب…
كان ناصر الدين الاسد رحمه الله من منحها ابهة اللغة، وعراقة البحث، ووسامة الرئاسة.. وشرف البدء… ولقد كان عبد السلام المجالي. ذلك المدهش اينما حل بصنعه لمعجزة البدء بالجديد.. لكنه ظل على حنينه الابدي وتفضيله لمنصب رئيس الجامعة..
كان عبد السلام قد صنع الجامعة من روحه وجاءت شبهه، فالمجالي ظلت قبيلة عابرة للمحلية وتجاوزتها لتكون (قبيلة الدور، وقبيلة عربية بالكامل) وهكذا… كان عبدالسلام منشيء التنوع فيها، وحماه بصدره وهيبته. ومنح المرأة هوية وصلاحية ومكانة.. وجعل الجامعة مؤلا للتفرد والارتقاء
كانت ليلى عرفان تلك السيدة الحديدية الطاعنة في النسب وفي العلم هي من تشرف وتنظم غداء العمل اليومي وتشارك فيه لعبد السلام المجالي، وعبد العزيز الدوري، وعبد الوهاب البرلسي، ورشيد الدقر، ومحمود السمرة.. جنرالات عبد السلام في الرقي والعلم والحب..
فكانت كليتنا على هيأتهم (علي الفزاع، وصالح الزيودي، ومحمد الزغاليل، وحسين الحموري، وانا) مجموعة اخوية متكاملة..
كان عبد السلام اول الروح وترك روحه معلقة على بابها فما خفت عطاؤها لحظة..
والمحطة الثالثة كانت الاكاديمي الوسيم فوزي غرايبة.. عالم الاقتصاد الالمعي حين آلت له مقدراتها فانه قد ترك فيها ولها حراك الجامعة تجاه المجتمع.. سيظل تاريخ الجامعة يتأمل جسارة فوزي غرايبة حين احيا دور مركز الدراسات الاستراتيجية اول مرة، واوكل مهمة ادارته الى شخص مهما خالفته فانك لا تستطيع تجريده من صفة انه (غير)!!
كانت قصة الاستطلاع في عهد فوزي غرايبة اول اشهار سياسي لدور الجامعة المنظم.. والسعي لاسترداد دورها الطليعي وهو كذلك دون غيره من اطر حق الاخوان المسلمين في التعبير عن ذاتهم لكن ولاية التعبير بمعنى القيادة قد جعلها في غيرهم بعلم (حجم دور الاخوان) ومن دون تعليمات من احد..
ستظل الجامعة تذكر لـ فوزي غرايبة الرزانة الموسومة بالرقي في التعاطي مع القضايا الطلابية ذات الطابع الخفيف، والتي اضحت صفة دائمة للجامعة بتراجع السياسي لمصلحة الاطر الاخرى التي تنوء الجبال من تحمل بغضاء نتائجها…
اما رابع الولاة.. فكان نذير عبيدات ولقد اكمل الدكتور نذير هذا الدمث الهني رسالته بخطابه التأسيسي لدور كلية الآداب المنشود مستقبلا.. ولو انه لم يقل حرفا بعد هذا الذي قاله في كلية الآداب.. فإنه قد اكمل مهمته الوعظية الاكاديمية المسؤولة!
إن الربط الذي اجراه بين مخاوف القادم المستبيح، والقائم المحافظ المتواضع.. يمكن اعتماده كتلخيص لكل ازماتنا الوطنية، ويصير أن نتوكأ عليه ك (عصا سحرية) نهش بها على كل اغنامنا، ونحقق ايضا المآرب المنشودة في التقدم والرقي والارتقاء
لماذا كل هذه الأهمية لخطاب تأسيس الدور القادم عبر اسئلة حائرة القاها الدكتور نذير، على طاولة الحيرة الوطنية!؟
لان الخطاب جاء تحت وابل من الصواريخ المتبادلة، لأمتين تعاركتا في سماء العروبة وبأموال العروبة، وبحياد مطلق للعروبة.. ونتائجها كلها تخصنا وتلقى في وجوهنا..
وفي خضم هذا الحياد الجارح جاء نذير عبيدات، ليلقي اسئلة لها علاقة بدور الفلسفة والتاريخ والشعر والموسيقى.. وهنا مكمن خطورة الخطاب..
إنه آن الآوان أن نعثر على إجابات لواقعنا وبروح العلم…
وخطاب نذير عبيدات.. خطاب تحريضي في المطلق، فيه تحريض حد الالحاح على الربط بين ما نحن فيه واسبابه.. وكيفية تجاوزه والبحث عن طرقه..
وليس اخرا.. إن الخطاب يحمل (لكنة) من التحدي الواثق في الغد وهذه اللكنة بحاجة لها كي تصير لهجة ثم تصبح لغتنا كاملة التحدي في لكنة الدكتور نذير
هي الامل الغامض لكنه قادم
والفعل البعيد لكن يجب تقريبه
والأمة التي تسعى الى خلق فلسفتها وتاريخها وشعرها لا ان تجتر نتاج غيرها…
مشكلة الاوطان ذات الامكانات المحدودة انها تظلم مفكريها الكبار ولهذا فنذير عالم مظلوم