facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأعاجم والعرب في ميزان الحضارة: الإبداع فعلٌ حضاري لا جيني


د. عبدالحفيظ العجلوني
29-03-2026 04:32 PM

في خضمّ الجدل المتكرّر حول أسباب التفوّق العلمي والإبداع الإنساني، يبرز سؤال جوهري: هل الإبداع صفة موروثة تُحدّدها الجينات والأصول العرقية، أم أنه نتاج بيئةٍ حضارية وثقافية تُشكّل عقل الإنسان وتوجّه طاقاته؟

تُقدّم قراءة كتاب “عروبة العلماء في البلاد الأعجمية” للدكتور ناجي الأعظمي مدخلًا مهمًا للإجابة، حيث يعيد توجيه البوصلة من “الأصل” إلى “البيئة”، ومن “العرق” إلى “الحضارة”.

الإبداع، في جوهره، ليس فعلًا جينيًا ينطلق من نقاء العِرق أو امتياز السلالة، بل هو فعلٌ حضاري يتشكّل داخل منظومة ثقافية ومعرفية متكاملة. الإنسان لا يُبدع لأنه ينتمي إلى أصلٍ معيّن، بل لأنه يعيش في بيئة تُحفّز التفكير، وتوفّر أدوات المعرفة، وتكافئ الاجتهاد. الحضارة هي التي تصوغ العقل، وتفتح أمامه آفاق الابتكار، وتُحوّل الطاقات الكامنة إلى منجزات ملموسة.

ولعلّ أبرز دليل معاصر على ذلك، ما نشهده من بروز علماء من أصول عربية وإسلامية في أوروبا والولايات المتحدة، حيث وجدوا بيئات علمية متقدمة، فتمكّنوا من تحقيق إنجازات عالمية. ويُعدّ أحمد زويل مثالًا بارزًا؛ إذ لم يصل إلى نيله جائزة نوبل بسبب أصوله، بل بفضل البيئة العلمية التي احتضنته ووفّرت له الإمكانات البحثية المتقدمة. ولو بقي في بيئةٍ تفتقر إلى هذه المقومات، لما أتيحت له الفرصة ذاتها للإبداع. وهذا لا ينتقص من قدره، بل يؤكد أن الإبداع تفاعلٌ حيّ بين الإنسان وبيئته.

وعند العودة إلى التاريخ الإسلامي، تتجلّى الصورة ذاتها بوضوح. فقد ازدهرت الحضارة الإسلامية لأنها وفّرت بيئة علمية مفتوحة، كانت اللغة العربية عمودها الفقري. ولذلك برز علماء عاشوا في بلادٍ أعجمية، لكنهم كتبوا بالعربية وأسهموا في بناء صرحٍ علمي موحّد. ولم يكن انتماؤهم الجغرافي عائقًا، لأنهم انتموا حضاريًا إلى فضاءٍ عربيّ اللسان.

بل إن كثيرًا من هؤلاء العلماء الذين يُنسبون إلى مناطق غير عربية، تعود أصولهم في الحقيقة إلى قبائل عربية هاجرت أو استقرّت في تلك البلاد. وتشير دراسات متعددة إلى أن عددًا كبيرًا من علماء الحديث النبوي الشريف كانوا من أصول عربية، منهم: مسلم بن الحجاج من بني قشير اليمانية، ومحمد بن عيسى الترمذي من بني سليم، وأبو داود السجستاني من كندة، وابن ماجة القزويني من ربيعة، وشهر بن حوشب من الأسد. هؤلاء جميعًا نشؤوا في بيئات مختلفة، لكنهم اجتمعوا في إطار حضاري واحد، لغته العربية، وهو ما صاغ فكرهم ووجّه إنتاجهم العلمي.

غير أن الأهم من ذلك، أن الحضارة الإسلامية نفسها لم تقم على أساس عرقي، بل على وحدة ثقافية ولسانية. فالعلماء—بغض النظر عن أصولهم—كانوا جزءًا من أمة واحدة، يجمعها لسان عربي مشترك. وقد عبّر سيّدنا محمد عليه الصلاة والسلام عن هذا المعنى بقوله: (ليست العربية من أحدكم بأبٍ ولا أمٍّ ، ولكن العربية اللسان ؛ فَمَن تكلَّم العربية فهو عربي). وهو تعريفٌ حضاري للهوية، يتجاوز النسب إلى الثقافة، ويربط الانتماء بالفعل اللغوي والمعرفي.

من هنا، يتبيّن أن الإبداع لا يُورث كما تُورث الصفات الجسدية، ولا يُختزل في الانتماء العرقي، بل يُبنى داخل بيئةٍ تُغذّي العقل وتُنمّي القدرات. وحين تتوفّر هذه البيئة، يُبدع الإنسان—أيًّا كان أصله—وحين تغيب، يخبو الإبداع حتى لو توفّرت “أفضل الجينات”.

إن إعادة الاعتبار لفكرة “الإبداع الحضاري” ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة لفهم واقعنا المعاصر. فبدلًا من البحث عن أسباب التفوق في الماضي أو في الأنساب، الأولى أن نعمل على بناء بيئات علمية وثقافية حاضنة، تُعيد إنتاج الإبداع في حاضرنا. فالحضارة هي التي تصنع العلماء، لا العكس.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :