ليست هذه أقلامًا… هذه أنابيبُ صرفٍ ملوّنة، تُفرغ عفنها على منشورات وسائل التواصل، وتسمّيه رأيًا.
تجلس خلف الطاولات كأنها ضمير الأمة، بينما لا تملك من الضمير إلا بقايا حبرٍ فاسد. تكتب وهي ترتجف… لا لأن الخيانة تُخيفها، بل لأنها تعرف ما تخفيه.
وهناك، بعيدًا… حيث لا يصل نبض الأرض ولا تعب الناس، يتقن السراب التغريد خارج الوطن، ويجد من يردّد صداه في الداخل... نُسَخًا رخيصة.
لا يرى البلاد كما هي، بل كما يُعيد تركيبها: زاويةً معتمة، صورةً مبتورة، مشهدًا ناقصًا يُقدَّم على أنه الحقيقة كلها.
القلم الذي يخون لا يصرخ… بل يهمس.
يضع السمّ في نهاية الجملة، ثم يبتسم. يترك الحقيقة تنزف ببطء… ويمضي. لا يقتلها دفعةً واحدة، بل يقطّعها إلى عناوين، ويبيعها بالتقسيط.
وهكذا يفعل السراب…
لا يكذب صراحةً، بل يتقن نصف الحقيقة، ويقيم فيها. يلتقط شظيةً من الواقع، ويصنع منها مرآةً مكسورة… ويطلب من الجميع أن يصدقها.
هؤلاء لا يكتبون لأنهم يجهلون، بل لأنهم يعرفون… ويخفون.
يمرّون بجانب الحقيقة كأنها جثةٌ في الطريق: نظرةٌ عابرة… ثم يمضون للكتابة عن الطقس.
يعرفون الوطن… لكنهم لا يرونه كما هو، بل كما يشوّهونه.
لا يحتاجون إلى أوامر… يكفيهم أن يلمحوا بابًا مفتوحًا للرضا… فينحنوا.
تُشترى الأقلام بالمال، وبالخوف، وبالتصفيق… وأرخصها تلك التي تُشترى بوهم الأهمية.
أقلامٌ تكتب وهي تنظر خلفها، لا أمامها.
تخاف من ظلّها… فتسكنه. تخاف من الحقيقة… فتزيّنها. تجعل القبح مقبولًا، والالتفاف حكمة.
تكتب من خارج الوطن… لكنها ترتعد من داخله.
لأن من يكتب دون أن يعيش، يظل غريبًا عن كل ما يكتب.
وحين تُواجَه… تتذاكى.
تقول: "أنا ناقل لا صانع"، كأن النقل يُعفي… وكأن الاختيار لا يفضح.
السراب لا يدرك أنه، كلما بالغ… ازداد انكشافًا.
فهو لا يفضح الوطن… بل يفضح عجزه عن أن يكون منه.
أسوأ ما في هذه الأقلام أنها لا تترك أثرًا واضحًا، بل ضبابًا.
تُربك… وتُشتّت. وتترك القارئ يشك في كل شيء… إلا في خيانتها.
لكن، مهما تمدّد هذا الضباب وتضخّم السراب، تبقى أقلامٌ لا تعرف الخيانة… لأنها تنتمي.
تكتب لتدافع، لا لتتاجر.
ومن يدافع عن الوطن لا يخسر… بل ينتصر.
ونحن منهم.
فالقلم ليس حياديًا كما يُظن.
إمّا أن يكون جرحًا في جسد الكذب… قلمًا ينتمي فيدافع عن الهوية والوطن،
أو ظلًا للسراب… قلمًا يبيع فيشوّه صورة الوطن.
كل قلمٍ خائن… يفضح صاحبه.
وحين يسقط الحبر… ينكشف ما تحته.
حساباتٌ تتكاثر… كما يتكاثر الذباب فوق المزابل.
وكالحندئة… لا تكتب، بل تفقس حسابًا كل يوم… وتترك عليه بُيوضها… ثم تبحث عن آخر.