نحو نهج جديد للبحث العلمي في الأردن: من ثقافة الشك إلى بيئة الثقة والإبداع
د. محمد بني سلامة
30-03-2026 09:02 AM
يشهد قطاع البحث العلمي في الأردن مرحلة مفصلية تحمل في طياتها ملامح تحول نوعي طال انتظاره، تقوده رؤية جديدة يتبناها المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، الذي أصبح الحاضنة المؤسسية لصندوق دعم البحث العلمي. هذه الرؤية لا تقتصر على تطوير أدوات التمويل أو إعادة ترتيب الأولويات، بل تتجاوز ذلك لتؤسس لثقافة جديدة قوامها الموضوعية، والشفافية، والثقة، وتوجيه الجهود البحثية نحو معالجة قضايا الدولة والمجتمع من خلال البحث العلمي التطبيقي.
لقد عانى البحث العلمي في فترات سابقة من تحديات متعددة، كان من أبرزها سيادة ثقافة الشك والريبة، والتي نشأت نتيجة تعليمات وسياسات وممارسات لم تكن على المستوى الذي يليق بأهمية البحث العلمي ودوره الحيوي. هذه البيئة، بكل ما حملته من تعقيدات، أدت أحياناً إلى عزوف بعض الباحثين، وتراجع الحماس نحو الانخراط في مشاريع بحثية جادة، الأمر الذي انعكس سلباً على مخرجات البحث العلمي وقدرته على التأثير الحقيقي.
اليوم، ومع تولي المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا مسؤولية الإشراف واحتضان صندوق دعم البحث العلمي، تتبلور ملامح مرحلة جديدة تقوم على إعادة بناء الثقة بين الباحث والمؤسسة، وتعزيز مبدأ العدالة في تقييم المشاريع، وضمان الشفافية في آليات الدعم والتمويل. إن هذه المقاربة الجديدة تعيد الاعتبار للباحث، وتمنحه المساحة التي يستحقها للإبداع والابتكار، بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية أو التفسيرات الضيقة.
ومن أبرز ما يميز هذه الرؤية هو التركيز على البحث العلمي التطبيقي، الذي يربط المعرفة النظرية بحاجات الواقع، ويجعل من البحث أداة فاعلة في حل مشكلات الدولة والمجتمع. فبدلاً من أن يبقى البحث حبيس الأدراج أو محصوراً في النشر الأكاديمي، أصبح موجهاً نحو قضايا حقيقية تمس الاقتصاد، والصحة، والبيئة، والتعليم، وغيرها من القطاعات الحيوية.
ولا يمكن الحديث عن هذا التحول دون الإشادة بالدور الكبير الذي يقوم به المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا والقائمون عليه، الذين أظهروا التزاماً واضحاً بإحداث نقلة نوعية في إدارة ملف البحث العلمي، من خلال تبني سياسات مرنة، ومنفتحة، وعادلة، تستند إلى أفضل الممارسات العالمية، مع مراعاة خصوصية الواقع الأردني.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية دور الجامعات الأردنية كشريك أساسي في إنجاح هذه الرؤية. فالمطلوب اليوم ليس فقط مواكبة هذه التحولات، بل الانخراط الفاعل فيها من خلال مراجعة التعليمات والسياسات الداخلية، بما ينسجم مع التوجه الجديد الذي يقوده المجلس. إن تهيئة بيئة جامعية داعمة للبحث العلمي، وتشجيع أعضاء هيئة التدريس والطلبة على الانخراط في مشاريع بحثية تطبيقية، يشكلان حجر الأساس في بناء منظومة بحثية متكاملة.
إن المرحلة الحالية تمثل فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للبحث العلمي كأداة للتنمية والتقدم، وكجسر يربط بين المعرفة واحتياجات المجتمع. ومع توافر الإرادة المؤسسية، والدعم المتواصل، والرؤية الواضحة، فإن المستقبل يحمل الكثير من الأمل في أن يستعيد البحث العلمي مكانته، وأن يصبح رافعة أساسية في مسيرة التنمية الوطنية.
إننا أمام تحول لا ينبغي أن يمر مرور الكرام، بل يستدعي من الجميع—مؤسسات وأفراداً—أن يكونوا جزءاً من هذه المسيرة، إيماناً بأن الاستثمار في العلم هو الاستثمار الأجدى لبناء مستقبل أفضل.