facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الرأي العام في الأردن: بين الوعي الحقيقي والهندسة الخفية للمشاعر


م. سعيد المصري
01-04-2026 12:52 PM

لم يعد الرأي العام في الأردن – كما في كثير من دول العالم – مجرد انعكاس تلقائي لمواقف الناس تجاه القضايا السياسية أو الاقتصادية، بل أصبح نتاجًا مركّبًا لتفاعل معقّد بين الوعي، والتجربة، والتأثير الممنهج على مستوى المشاعر والإدراك. نحن لا نتعامل اليوم مع “جمهور يفكر”، بل مع “جمهور يشعر ثم يبرر”.

في هذا السياق، لا يمكن فهم اتجاهات الرأي العام الأردني دون التمييز بين مستويين متداخلين: مستوى الوعي الظاهر الذي يتشكل عبر النقاشات والخطاب العام، ومستوى أعمق غير مرئي تتحرك فيه دوافع الخوف والانتماء والكرامة والقلق الاقتصادي. هذا المستوى الثاني هو الذي يحدد في كثير من الأحيان اتجاه المزاج العام، حتى وإن بدا الخطاب الظاهري عقلانيًا ومنطقيًا.

الأردن: مجتمع عالي الحساسية السياسية منخفض الأدوات التعبيرية

يتميّز المجتمع الأردني بخصوصية دقيقة: فهو مجتمع شديد الوعي السياسي، لكنه محدود في أدوات التعبير المؤسسي المنظم. هذه المعادلة تخلق حالة من “تراكم المشاعر غير المصاغة”، حيث تتحول القضايا العامة إلى مشاعر مكثفة أكثر من كونها مواقف مبنية على تحليل تفصيلي.

فالمواطن الأردني يتابع الإقليم بدقة، ويدرك تعقيدات الصراع، ويملك حدسًا سياسيًا عاليًا، لكنه في الوقت ذاته لا يجد دائمًا القنوات المؤسسية الكافية لتحويل هذا الفهم إلى تأثير منظم. وهنا تبدأ الفجوة بين الإدراك والتعبير، وهي الفجوة التي يمكن أن تُملأ بسهولة عبر خطاب موجّه يستهدف المشاعر لا الوقائع.

الهوية كمدخل رئيسي لتشكيل الرأي العام

في الحالة الأردنية، تُعد الهوية – بمستوياتها المختلفة (الوطنية، القومية، الدينية) – العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيل الرأي العام، ليس لأنها متغيرة، بل لأن استدعاءها يتم في اللحظات السياسية الحساسة بطريقة انتقائية ومكثفة. فعند كل أزمة إقليمية، يتم تفعيل هذه المستويات بشكل متداخل؛ فتبرز الهوية القومية عند الحديث عن فلسطين، وتتصدر الهوية الوطنية عند استحضار الاستقرار الداخلي، بينما تطفو الهوية المعيشية عند تناول قضايا الاقتصاد والبطالة.

هذا التفعيل لا يحدث دائمًا بشكل عفوي، بل يتم عبر سرديات إعلامية واجتماعية تضع المواطن في حالة استجابة عاطفية سريعة، قبل أن تتاح له فرصة التفكير التحليلي، ما يجعل المشاعر تسبق المواقف، وتوجّهها في كثير من الأحيان.

الخوف كأداة تنظيم غير معلنة للمزاج العام

الخوف في الأردن لا يظهر دائمًا كخطاب مباشر، بل كحالة ضمنية تحكم التوقعات وتؤثر في تشكيل المواقف. فهو خوف مركّب من الانزلاق الإقليمي، ومن التدهور الاقتصادي، ومن فقدان الاستقرار، وهي عناصر تتداخل لتشكّل إطارًا نفسيًا يوجّه سلوك الرأي العام.

هذا الخوف لا يُدار بالضرورة عبر رسائل صريحة، بل عبر “إدارة التوقعات”، حيث يدرك المواطن أن البدائل قد تكون أكثر كلفة أو خطورة، فيميل إلى قبول الواقع القائم حتى وإن لم يكن راضيًا عنه بالكامل. وهنا يتحول الخوف من عامل شلل إلى أداة ضبط، تُبقي الرأي العام ضمن حدود معينة دون الحاجة إلى فرض مباشر.

من الإعلام التقليدي إلى الخوارزميات: تحوّل في هندسة التأثير

في السابق، كان تشكيل الرأي العام يعتمد على وسائل الإعلام التقليدية التي تنقل الرسالة بشكل أحادي الاتجاه، أما اليوم فقد دخل الأردن – كما العالم – في مرحلة جديدة، حيث أصبحت الخوارزميات تلعب دورًا مركزيًا في تشكيل الإدراك.

منصات مثل Facebook وTikTok وX (Twitter) لم تعد مجرد أدوات تواصل، بل تحولت إلى أنظمة تحليل سلوكي تعرف ما يثير اهتمام المستخدم، وترصد ما يثير غضبه، ثم تعيد تغذية نفس المشاعر بمحتوى مشابه. وبهذا، لا يتم توجيه الأفراد نحو أفكار جديدة بقدر ما يتم تعزيز ميولهم القائمة، حتى تتحول هذه الميول إلى “حقائق جماعية” داخل فقاعات رقمية مغلقة تعيد إنتاج نفسها باستمرار.

الرأي العام كنتاج للسردية لا للوقائع

أخطر ما في المرحلة الحالية هو أن الرأي العام لم يعد يتشكل بناءً على الوقائع بقدر ما يتشكل وفق “القصة الأكثر إقناعًا نفسيًا”. ففي الأردن، كما في غيره، يمكن تفسير الحدث الواحد بعدة طرق، لكن السردية التي تنجح هي تلك التي تلامس الشعور بالكرامة، أو تعزز الإحساس بالتهديد، أو تمنح شعورًا بالانتماء.

وبذلك تتحول السياسة من إدارة وقائع إلى إدارة تصورات، حيث يصبح التحكم في كيفية فهم الحدث أكثر تأثيرًا من الحدث نفسه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :