ترامب في مواجهة القانون الدولي!
أ.د أحمد بطَّاح
20-04-2026 11:31 AM
بعد التجربة المريرة التي خاضتها البشرية في الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) وما تمخّضت عنه من دماء ومآسٍ قامت الدول الكبرى المنتصرة (الولايات المتحدة، الاتحاد السوفيتي، بريطانيا، فرنسا،...) بالتعاون مع بقية الدول بتأسيس منظمة الأمم المتحدة بكل ما تشتمل عليه من مؤسسات وما تتبناه من قوانين دولية وبعدها قوانين دولية إنسانية "كشرعة حقوق الإنسان" و"اتفاقيات جنيف الرابعة" آملةً أن تلتزم الدول المختلفة بهذه القوانين وبهذا يعم السلام في العالم وتختفي الحروب والنزاعات.
وفي الواقع لم تلتزم كثير من هذه الدول (وبالذات الدول الكبرى منها) بهذه القوانين، وتجاوز كثير من رؤسائها على ما يسمى "بالشرعية الدولية" وما تعبّر عنه من نبذ للحروب والصراعات وتوق للتوافق والسلام، غير أنّ الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب تفْرّد ليس من بين الرؤساء الأمريكيين وحدهم بل من بين جميع رؤساء العالم بالاستخفاف بالقانون الدولي وازدرائه وعدم الالتزام به، ولعلّ قراراته الآتية تشير بوضوح إلى ذلك:
أولاً: اعترف في فترة رئاسته الأولى (2016 – 2020) بالقدس عاصمة لإسرائيل، كما ضم -في كرم حاتمي مشهود- مرتفعات الجولان السورية المحتلة إليها مع ما في ذلك من مخالفة واضحة للقانون الدولي!
ثانياً: فرض في عهدته الحالية رسوماً جمركية على مختلف دول العالم وبنسب متفاوتة وكأن جميع دول العالم هي كيانات تابعة للولايات المتحدة، وقد رأت محكمة العدل العليا الأمريكية (Supreme Court) (فضلاً عن جهات أخرى كثيرة في العالم) أنّ في هذا الإجراء تجاوزاً لصلاحيات الرئيس وأنه ليس من حقه!
ثالثاً: قام بالاعتداء الصارخ على فنزويلا واختطاف رئيسها (مادورو) بل والإعلان صراحةً أنه يريد نفط فنزويلا متجاوزاً في ذلك على سيادة دولة مستقلة، ومستهتراً بمبدأ حصانة رؤساء الدول، ومعبراً عن رغبة إمبريالية (كما قال بابا الفاتيكان قبل فترة قصيرة) في استعمار فنزويلا ونهب مواردها حيث تملك فنزويلا أكبر احتياطي نفط في العالم!
رابعاً: بادر إلى العدوان مع حليفته إسرائيل على إيران بغير احترام للقانون الدولي الذي يلزمه بأن يكون في موقف الدفاع عن بلده عند البدء بمثل هذه الحرب، أو أن يحصل على قرار من مجلس الأمن الدولي وفقاً للفصل السابع، والواقع أنه "تورط" في هذه الحرب التي آذت العالم كله اقتصادياً "بتحريض" من نتنياهو واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة خدمةً لمصالح إسرائيل كما قال "جون كين" مدير المركز الأمريكي الوطني لمحاربة الإرهاب الذي استقال احتجاجاً على هذه الحرب غير الشرعية، وغني عن الذكر أن دول الناتو ودول الاتحاد الأوروبي نأت بنفسها عن حرب ترامب هذه بالنظر إلى مخالفتها الواضح للقانون الدولي!
خامساً: لم يكتفِ ترامب بشن حرب غير قانونية بالتعاون مع نتنياهو على إيران بل قرر قبل أيام فرض حصار على مضيق هرمز بحجة سحب ورقة هذا المضيق من يد إيران التي كانت هي الأخرى قد خالفت القانون الدولي بفرض حصار على المضيق ومحاولة جباية رسوم على المرور منه، والواقع أن ترامب حاول أن يعالج إجراءً غير قانوني (محاصرة المضيق من قبل إيران) بإجراء لا يقل خروجاً على القانون منه، وقد أشارت الهيئة البحرية العالمية فضلاً عن معظم دول العالم إلى أنه لا يحق لأي دولة أن تحاصر الممرات المائية الدولية وتعيق المرور الآمن منها.
سادساً: تشكيل مجلس سلام للتعامل مع الأزمات الدولية المختلفة، حيث رأس هو شخصياً هذا المجلس، وضم إليه عدداً من الدول الراغبة في تجاوز واضح لقرار مجلس الأمن بشأن هذا الموضوع الذي فوضَ الولايات المتحدة بتشكيل هذا المجلس لمعالجة قضية قطاع غزة حصراً، لا أن يكون هذا المجلس بديلاً ضمنياً لمنظمة الأمم المتحدة صاحبة الصلاحية في التعامل مع ا لقضايا الدولية المختلفة.
إنّ هذه المخالفات الصارخة من قبل الرئيس الأمريكي ترامب للقانون الدولي تزعزع الثقة بهذا القانون، وتخلق سابقة خطيرة تتيح للكثير من الدول أن تتجاوز بالمثل على هذا القانون وتستخف بتبعاته وهذا يطرح سؤالاً خطيراً هو: هل تريد البشرية أن تنتكس إلى الوراء وتعيش وفق شريعة الغاب حيث القوي يأكل الضعيف؟
إنّ سلوك ترامب كرئيس لأقوى دولة في العالم جدُّ خطير على الإنسانية ولا بد للفاعلين على المسرح الدولي وفضلاً عن مستشاري ترامب وزملائه في الإدارة أن يوقفوا هذه النزعة لديه والتي قد تكون لها آثار مدمرة ليس فقط على الولايات المتحدة بل على الإنسانية جمعاء.