حزب الأمة .. هل تغيّر الاسم أم تأخر التغيير؟
د. سعيد المومني
20-04-2026 11:32 AM
من الصعب قراءة انتقال "جبهة العمل الإسلامي" إلى "حزب الأمة" بوصفه مجرد تعديل شكلي في اسم حزب. فالمسألة أعمق من تبديل عنوان، وأثقل من مجرد مواءمة قانونية. نحن هنا أمام لحظة سياسية تقول شيئاً أكبر: إن البيئة التي أحاطت طويلاً بالإسلام السياسي في المنطقة تغيرت، وإن بعض العناوين التي كانت تُرفع سابقاً بوصفها مصدر قوة، باتت اليوم أعلى كلفة وأقل قابلية للحمل. وبعد السابع من أكتوبر، ومع ما تبعه من إعادة رسم للأولويات الإقليمية تحت سقف الرعاية الأميركية، بدا واضحاً أن هناك ميلاً متزايداً، وإن شابته استثناءات فرضتها ضرورات بعض الساحات، إلى تضييق المجال على كل ما يمكن أن يُقرأ بوصفه امتداداً للإسلام السياسي أو غطاءً له.
في الأردن، لا يمكن فصل ما جرى عن هذا المناخ الأوسع، لكن لا يجوز أيضاً اختزاله في مجرد ضغط قانوني داخلي. فالعلاقة بين الإخوان المسلمين والدولة لم تكن يوماً علاقة صدام خالص، ولا كانت علاقة انسجام كامل، بل كانت علاقة مركبة، محكومة بثنائية احتياج متبادل وحدود مفهومة وتفاهمات غير معلنة. لقد احتاجت الدولة وجودهم في محطات معينة، كما احتاجوا هم بقاءهم داخل المجال العام الذي تضبطه الدولة كي لا يخرجوا نهائياًً من المعادلة. والأهم من ذلك أن الإسلاميين في الأردن كانوا من أكثر الفاعلين المحليين براعة في استخدام البراغماتية وتوظيفها؛ عرفوا كيف يناورون، وكيف يتراجعون عند حافة الصدام، وكيف يحافظون على موقعهم من دون أن يدفعوا العلاقة إلى نقطة الانفجار.
لكن مع تبدل المناخ القانوني والسياسي، بدأت الضغوط المباشرة لتعديل الاسم وإزالة الرمز الديني الصريح منه. وحين أعلن الحزب اسمه الجديد، خرجت رسائل تؤكد أن الثوابت باقية. وهنا تبدأ العقدة الحقيقية: إذا كانت الثوابت باقية، وإذا كانت البنية الذهنية باقية، فماذا تغيّر فعلاً غير الواجهة؟
لهذا لا يبدو ما جرى حتى الآن مراجعة فكرية بقدر ما يبدو إعادة طلاء للواجهة. فالمراجعة الحقيقية لا تُقاس بحذف كلمة من الاسم، بل بإعادة تعريف الحزب لعلاقته بالدولة، ولتصوره للسلطة، ولرؤيته للإدارة والاقتصاد والمجتمع والحريات. هنا بالضبط يظهر الفرق بين من يبدل لافتته، ومن يبدل منطقه السياسي كله.
وهذا ما يفسر الفارق بين تجربة "نجم الدين أربكان" وتجربة "رجب طيب أردوغان" في تركيا. فأربكان لم يفشل لأن أسماء أحزابه كانت دينية صريحة، إذ إن أحزابه حملت أصلاً أسماء مثل "الرفاه" و"الفضيلة"، بل لأن مشروعه كله اصطدم ببنية الدولة التركية كما كانت يومها: بالعسكر، وبالكمالية الصلبة، وبالحساسية الشديدة تجاه أي طرح يُقرأ بوصفه تهديداً لعلمانية الدولة وهويتها. أما الجيل الذي خرج لاحقاً وأسس حزب "العدالة والتنمية"، فقد قدم نفسه باعتباره حزباً محافظاً ديمقراطياً، ووسع خطابه نحو الاقتصاد والإدارة والاستقرار والإصلاح، ولم يكتف بتغيير النبرة بل غير طريقة تقديم المشروع نفسه. وكذلك فعلت حركة النهضة حين أعلنت الفصل بين الدعوي والسياسي وقدمت نفسها بوصفها تياراً (لمسلمين ديمقراطيين)، وإن ظلت تجربتها لاحقاً محكومة بخصوصيات تونس وتعقيداتها. الفارق هنا واضح: هناك لم يكن التغيير في الاسم فقط، بل في تعريف الذات ووظيفتها السياسية.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري في الحالة الأردنية: هل غير الحزب اسمه لأنه فهم أن المجتمع تغيّر، أم لأن القانون تغيّر؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين المراجعة والمناورة.
في تقديري، ما جرى حتى الآن أقرب إلى الاحتمال الثاني. ليس لأن الحزب بلا وزن، بل لأنه ما زال يبدو أسير عقل قديم حتى وهو يرتدي اسماً جديداً. لقد ظل قوة تنظيمية وانتخابية لا يمكن إنكارها، لكنه لم يتحول إلى مشروع وطني جامع يعيد تعريف نفسه خارج قاعدته التقليدية. ولعل هذا هو سر بقائه الطويل، كما كان في الوقت نفسه أحد أسباب عجزه عن القفز من موقع التكيف إلى موقع التحول.
اليوم لم تعد كلمة "الإسلامي" ثقيلة لأن الإسلام ثقيل، حاشا لذلك أن يكون، بل لأن كثيراً ممن حملوا هذا العنوان أثقلوه بالتجربة، وأرهقوه بسوء التوظيف، أو عجزوا عن تحويله إلى نموذج حكم حديث ومقنع. وفي المقابل، لم يعد الشباب ينجذب إلى العلامات الشكلية كما كان يحدث من قبل؛ لا إلى اللحية وحدها، ولا إلى المفردة الوعظية، ولا إلى الافتتاح التقليدي للخطاب. ما تبحث عنه هذه الأجيال هو مواقف أخلاقية متماسكة، وصلابة في القضايا الوطنية، ووضوح في الدفاع عن الحريات، وقدرة على مواجهة السلطة حين تستدعي اللحظة ذلك.
وهنا تبدو واحدة من أعمق أزمات الحياة السياسية في الأردن: الجميع يتحدث عن الشباب، لكن القليل فقط يقبل أن يكونوا أصحاب المبادرة وصنّاع التحول. ولعل الفارق الأوضح هنا أن تلاميذ "أربكان" الشباب، وفي مقدمتهم أردوغان ورفاقه، لم يكونوا مجرد ورثة لخطاب أستاذهم، بل كانوا أكثر مرونة في قراءة المجتمع، وأقدر على صياغة لغة جديدة، وأجرأ في تقديم مشروع سياسي قابل للتوسع والوصول. وهذا تحديداً ما تفتقده معظم أحزابنا وقوانا السياسية اليوم: لا نقصاً في الشباب، بل نقصاً في الإرادة التي تسمح لهم بأن يتقدموا الصفوف ويعيدوا تعريف الخطاب والمشروع.
لهذا، لا يبدو "حزب الأمة" حتى اللحظة ولادة جديدة، بقدر ما يبدو محاولة متأخرة لإطالة العمر السياسي بصيغة أخف كلفة وأكثر قابلية للبقاء. وما دام الاسم جديداً والعقل قديماً، فلن يكون ما جرى أكثر من تمديد مؤقت لعمر حزب لم يحسم بعد انتقاله إلى مشروع سياسي متجدد. ذلك أن التغيير لا تصنعه الأسماء، بل العقول التي تقود، واللغة التي تخاطب الناس، والقدرة على قراءة الزمن الجديد. ولهذا، طالما أن الشباب لن يكونوا في موقع القيادة والمبادرة وصناعة القرار، فإن هذا الحزب، كغيره من غالبية الأحزاب في الأردن، مرشح لأن يتآكل من داخله قبل أن يُدفع إلى التراجع من خارجه؛ بفعل بنية تقليدية تستنزف نفسها، وبفعل ضغوط سلطة لا ترى فيه ضرورة، ومناخ إقليمي ودولي لم يعد متسامحاً مع تيار إسلام سياسي يملك حضور عريض في الشارع. وعندها لن يكون تغيير الاسم بداية تحول، بل مجرد تأجيل لنهاية تتقدم ببطء.