الفوضى الخلّاقة وكذب الأقوياء .. عندما يقراها المحافظون بعيون حذرة
د. بركات النمر العبادي
20-04-2026 11:51 AM
ليست الفوضى الخلّاقة، كما يُروَّج لها في الخطاب السياسي المعاصر، مفهومًا بريئًا أو توصيفًا تقنيًا لمرحلة انتقالية نحو الاستقرار، بل هي إحدى أكثر الأدوات الفكرية دهاءً في ترسانة القوى المهيمنة ، فهي تسمية ناعمة لعملية عنيفة ، وإطار لغوي يُخفي وراءه مشروعًا متكاملًا لإعادة تشكيل المجتمعات وفق مصالح الأقوياء ، لا وفق حاجات الشعوب أو إرادتها الحرة ، ونحن كمحافظين علينا ان نقر اء المشهدية الفوضوية المقصود بعين محافظة تضع نقاطها على حلروفها المبعثرة.
لقد أدركت القوى الإمبريالية مبكرًا أن السيطرة الحديثة لا تقوم على الاحتلال العسكري وحده ، بل على إعادة تعريف الواقع نفسه. فحين يُدمَّر بلدٌ ما تحت شعار “نشر الديمقراطية” ، أو تُفكَّك دولة باسم “إعادة الهيكلة” ، أو يُبتز شعبٌ كامل تحت لافتة “الإصلاح الاقتصادي”، فإننا لا نكون أمام أخطاء في التطبيق ، بل أمام كذبٍ منظَّم ، حيث تُستبدل الحقيقة بسردية مصطنعة ، ويُعاد تسويق القهر بوصفه خلاصًا.
إن كذب الأقوياء لا يتمثل في الإنكار المباشر، بل في إنتاج لغة جديدة تُفرغ المفاهيم من مضامينها الأخلاقية. فالديمقراطية تُختزل في صندوق اقتراع بلا سيادة ، وحقوق الإنسان تُنتقى منها ما يخدم التوازنات الجيوسياسية ، والسيادة تُعاد تعريفها لتصبح عبئًا على الدول الضعيفة ، لا حقًا أصيلًا لها ، وبهذا تتحول المصطلحات السياسية الحديثة إلى أدوات ابتزاز ناعمة ، يُفرض بها على الضعفاء ما لا يُفرض على الأقوياء.
وفي قلب هذا المشهد ، تلعب الصهيونية السياسية دورًا محوريًا ، لا بوصفها مشروعًا محليًا فحسب ، بل كجزءٍ بنيوي من النظام الإمبريالي العالمي . فهي نموذج مكتمل لكيفية الجمع بين القوة العسكرية ، والشرعنة الأخلاقية الزائفة ، والدعم الإعلامي الغربي ، لإنتاج واقع يُصوَّر فيه المعتدي كضحية ، والضحية كتهديد ، ومن خلال هذا النموذج ، تُعاد هندسة المنطقة سياسيًا وثقافيًا ، ويُفرض منطق “الاستثناء الدائم” لذي يُعفي القوي من المحاسبة ، ويُحمّل الضعيف مسؤولية مأساته.
إن الفوضى الخلّاقة ، في جوهرها ، ليست مرحلة عابرة ، بل حالة دائمة تُبقي المجتمعات في حالة إنهاك مستمر، بحيث تُستنزف طاقاتها في إدارة الأزمات بدل بناء المستقبل. فالدولة التي لا تستقر، والمجتمع الذي ينشغل بالبقاء ، لا يستطيعان مقاومة الهيمنة ولا مساءلة الخطاب المفروض عليهما ، وهنا يتحقق الهدف الحقيقي: ارتهان المصير ، لا عبر السلاح فقط ، بل عبر الاقتصاد، والإعلام ، والتعليم ، وحتى الوعي الجمعي.
غير أن أخطر ما في هذا المسار ليس ما يفعله الأقوياء ، بل ما ينجحون في إقناع الضعفاء بقبوله ، حين تُقنع الشعوب بأن معاناتها قدرٌ لا نتيجة ، وأن خرابها ضرورة تاريخية ، وأن خلاصها لا يأتي إلا من الخارج ، تكون الهيمنة قد بلغت ذروتها ، فالقوة هنا لا تُمارس بالقسر وحده ، بل بالإقناع المسموم ، وبإعادة تشكيل الخيال السياسي ذاته.
إن مواجهة الفوضى الخلّاقة وكذب الأقوياء لا تبدأ برفض المصطلحات فحسب ، بل بإعادة بناء الوعي النقدي ، واستعادة الحق في تسمية الأشياء بأسمائها. فالتحرر الحقيقي يبدأ حين نكفّ عن ترديد لغة خصومنا ، ونستعيد قدرتنا على التفكير من داخل تجربتنا ، لا من القوالب الجاهزة التي صاغها الآخرون لنا ، وحينها فقط ، يتحول الضعف من حالة مفروضة إلى سؤال مفتوح ، وتتحول المقاومة من رد فعل إلى مشروع وعيٍ وسيادة.
حمى الله الاردن من كل كرية
* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي