facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الفوضى الخلّاقة وكذب الأقوياء .. عندما يقراها المحافظون بعيون حذرة


د. بركات النمر العبادي
20-04-2026 11:51 AM

ليست الفوضى الخلّاقة، كما يُروَّج لها في الخطاب السياسي المعاصر، مفهومًا بريئًا أو توصيفًا تقنيًا لمرحلة انتقالية نحو الاستقرار، بل هي إحدى أكثر الأدوات الفكرية دهاءً في ترسانة القوى المهيمنة ، فهي تسمية ناعمة لعملية عنيفة ، وإطار لغوي يُخفي وراءه مشروعًا متكاملًا لإعادة تشكيل المجتمعات وفق مصالح الأقوياء ، لا وفق حاجات الشعوب أو إرادتها الحرة ، ونحن كمحافظين علينا ان نقر اء المشهدية الفوضوية المقصود بعين محافظة تضع نقاطها على حلروفها المبعثرة.

لقد أدركت القوى الإمبريالية مبكرًا أن السيطرة الحديثة لا تقوم على الاحتلال العسكري وحده ، بل على إعادة تعريف الواقع نفسه. فحين يُدمَّر بلدٌ ما تحت شعار “نشر الديمقراطية” ، أو تُفكَّك دولة باسم “إعادة الهيكلة” ، أو يُبتز شعبٌ كامل تحت لافتة “الإصلاح الاقتصادي”، فإننا لا نكون أمام أخطاء في التطبيق ، بل أمام كذبٍ منظَّم ، حيث تُستبدل الحقيقة بسردية مصطنعة ، ويُعاد تسويق القهر بوصفه خلاصًا.

إن كذب الأقوياء لا يتمثل في الإنكار المباشر، بل في إنتاج لغة جديدة تُفرغ المفاهيم من مضامينها الأخلاقية. فالديمقراطية تُختزل في صندوق اقتراع بلا سيادة ، وحقوق الإنسان تُنتقى منها ما يخدم التوازنات الجيوسياسية ، والسيادة تُعاد تعريفها لتصبح عبئًا على الدول الضعيفة ، لا حقًا أصيلًا لها ، وبهذا تتحول المصطلحات السياسية الحديثة إلى أدوات ابتزاز ناعمة ، يُفرض بها على الضعفاء ما لا يُفرض على الأقوياء.

وفي قلب هذا المشهد ، تلعب الصهيونية السياسية دورًا محوريًا ، لا بوصفها مشروعًا محليًا فحسب ، بل كجزءٍ بنيوي من النظام الإمبريالي العالمي . فهي نموذج مكتمل لكيفية الجمع بين القوة العسكرية ، والشرعنة الأخلاقية الزائفة ، والدعم الإعلامي الغربي ، لإنتاج واقع يُصوَّر فيه المعتدي كضحية ، والضحية كتهديد ، ومن خلال هذا النموذج ، تُعاد هندسة المنطقة سياسيًا وثقافيًا ، ويُفرض منطق “الاستثناء الدائم” لذي يُعفي القوي من المحاسبة ، ويُحمّل الضعيف مسؤولية مأساته.

إن الفوضى الخلّاقة ، في جوهرها ، ليست مرحلة عابرة ، بل حالة دائمة تُبقي المجتمعات في حالة إنهاك مستمر، بحيث تُستنزف طاقاتها في إدارة الأزمات بدل بناء المستقبل. فالدولة التي لا تستقر، والمجتمع الذي ينشغل بالبقاء ، لا يستطيعان مقاومة الهيمنة ولا مساءلة الخطاب المفروض عليهما ، وهنا يتحقق الهدف الحقيقي: ارتهان المصير ، لا عبر السلاح فقط ، بل عبر الاقتصاد، والإعلام ، والتعليم ، وحتى الوعي الجمعي.

غير أن أخطر ما في هذا المسار ليس ما يفعله الأقوياء ، بل ما ينجحون في إقناع الضعفاء بقبوله ، حين تُقنع الشعوب بأن معاناتها قدرٌ لا نتيجة ، وأن خرابها ضرورة تاريخية ، وأن خلاصها لا يأتي إلا من الخارج ، تكون الهيمنة قد بلغت ذروتها ، فالقوة هنا لا تُمارس بالقسر وحده ، بل بالإقناع المسموم ، وبإعادة تشكيل الخيال السياسي ذاته.

إن مواجهة الفوضى الخلّاقة وكذب الأقوياء لا تبدأ برفض المصطلحات فحسب ، بل بإعادة بناء الوعي النقدي ، واستعادة الحق في تسمية الأشياء بأسمائها. فالتحرر الحقيقي يبدأ حين نكفّ عن ترديد لغة خصومنا ، ونستعيد قدرتنا على التفكير من داخل تجربتنا ، لا من القوالب الجاهزة التي صاغها الآخرون لنا ، وحينها فقط ، يتحول الضعف من حالة مفروضة إلى سؤال مفتوح ، وتتحول المقاومة من رد فعل إلى مشروع وعيٍ وسيادة.

حمى الله الاردن من كل كرية

* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :