facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إيران بعد النار .. سقط وهم النهاية وبدأت الشراكة القسرية


سمير حمدان - بودابست
21-04-2026 08:46 AM

المشكلة في الشرق الأوسط ليست فقط أن الحروب تندلع بسرعة، بل أن الأمنيات تشتعل أسرع منها، وما إن بدأت الضربات حتى تصرف كثيرون كما لو أنهم يملكون نسخة مسربة من النهاية، هذا يعد أيام السقوط، وذاك يوزع خرائط ما بعد طهران، وثالث يتحدث عن الجمهورية الإسلامية كأنها جدار يكفي أن تدفعه قليلًا حتى ينهار، ثم هدأ بعض الدخان، وظهرت الحقيقة، إيران لم تسقط، والدولة لم تتفكك، وواشنطن عادت إلى التفاوض، لا لأنها أحبت طهران، بل لأنها اكتشفت أن إسقاطها أسهل على الشاشات منه على خرائط الطاقة والبحر واليورانيوم.

هنا تبدأ السخرية، لأن المنطقة التي بشرت بحرب تنظف الطاولة اكتشفت أن الطاولة موصولة بأسلاك النفط والغاز والتأمين والشحن والتضخم، وأن مضيق هرمز ليس مجرد ممر يصلح للخطب، بل غرفة تحكم في أعصاب السوق، يرفع الأسعار حين يضيق، ويخفضها حين يفتح، ويذكر العالم بأن الجغرافيا ليست قصيدة سيادية، بل فاتورة دولية يدفعها الجميع، ومن فرط المفارقة صار مجرد التلويح بالإغلاق مكسبًا لطهران، لأن الدولة التي تستطيع أن تقلق الأسواق من دون أن تسقط، تملك أكثر من بندقية، تملك ورقة سعر، وورقة وقت، وورقة ذعر عالمي.

والأشد مرارة أن إيران لم تكن تفاوض بسلاحها وحده، بل بظل الصين الجالس فوق الطاولة من دون أن يظهر في الصورة، فبكين لا تحتاج إلى رفع علمها فوق دبابة إيرانية حتى تكون حاضرة، يكفي أنها تعرف أن الخليج شريان لاقتصادها، وأن أي فوضى هناك تعني اضطرابًا في الطاقة والتجارة والنمو، ولهذا بدت طهران كأنها تقاتل باسم ميزان أكبر منها، لا باسم الصين حرفيًا، بل باسم مصلحة صينية تمنع انهيارًا يهدد منابع الوقود، ومن هنا ارتفع موقعها من دولة مطلوب تأديبها إلى دولة يجب التفاهم معها، لا حبًا بها، بل لأن كسرها الكامل قد يكسر ما بعدها.

لكن هذا لا يعني أن إيران كانت موفقة في كل شيء، وهنا لا بد من تجاوز التفسير السهل للمشهد، فطهران لم تربح من استعداء جوارها الخليجي، ولم يكن ذكيًا أن تتحول الدول الأقرب إليها إلى مساحة شك دائم بدل أن تصبح شبكة مصلحة واستقرار، الدولة التي تريد أن تنتقل من زمن المقاومة الخشنة إلى زمن المساومة الثقيلة لا تستطيع أن تتعامل مع جيرانها كأنهم مجرد هامش جغرافي أو صندوق بريد للرسائل النارية، كان الأجدى بها أن تفهم أن الخليج ليس فقط خزان طاقة، بل بيئة سياسية ومالية وأمنية لا يستقر أي مشروع إقليمي من دونها، وأن الصديق الصلب أرخص من العدو المذعور.

ثم هناك الملف الذي يجعل فكرة الانهيار تبدو كأنها خيال كتبه شخص يكره الخرائط ويجهل الفيزياء، ملف اليورانيوم، لأن المسألة لم تعد مجرد خلاف سياسي أو عسكري، بل سؤال أمني عن المواد الحساسة إذا ضعفت قبضة الدولة أو تشققت مؤسساتها، وهنا يفقد خطاب دعوها تنهار بطولته المسرحية، لأن سقوط دولة بهذا الحجم، وفي يدها هذا النوع من المخزون، لا يعني نهاية خصم فقط، بل احتمال ولادة فوضى لا يعرف أحد أين تتسرب ولا كيف تطارد إذا خرجت من تحت سقف الدولة، ولهذا تراجع ترامب عن لغة إسقاط النظام إلى لغة التهديد والتفاوض معًا، وكأن العصا التي لوح بها طويلًا صارت أثقل من أن ترفع حتى النهاية.

ولا تقل باكستان أهمية في هذه الخريطة الجديدة، فهي لم تعد مجرد جار يراقب، بل طرفًا يفك بعض عقد المعبر والأزمة، وهذا يكشف أن الخريطة تتحرك، الصين تحرس إيقاع الطاقة، وباكستان تفتح قنوات التفاهم، والولايات المتحدة تساوم بدل أن تحسم، وإيران تنتقل من عالم المقاومة الخشنة إلى عالم السلام المشروط والمساومة الثقيلة، ولهذا كله لم تعد طهران عاصمة لأزمة فقط، بل صارت واحدة من عواصم القرار في الخليج وشرق آسيا، لأنها لم تخرج من الحرب مكسورة كما اشتهى خصومها، بل خرجت ضرورية.

وهنا تكمن المرارة العربية كلها، لم تسقط إيران، ولم تتحول إلى دولة فاشلة، ولم تفتح أبواب نفطها وغازها لمن كان يحلم بوضع يده عليهما، بل حدث ما لا يريد كثيرون الاعتراف به، طهران التي رسم لها دور النهاية عادت لتجلس داخل مشهد البداية الجديدة، لا كملاك سلام، ولا كبطلة أسطورية، بل كشريك قسري في رسم جزء من تهدئة المنطقة ورسم جزء من خريطتها المقبلة، والسؤال العربي الحقيقي ليس هل نحب هذه النتيجة، بل هل نملك شجاعة الاعتراف بأن العالم لم يسر كما اشتهت السفن، وأن آخر البنادق لا تصمت حين تنتصر الحكمة، بل حين تخاف الإمبراطوريات على الطاقة، وتخشى الأسواق على الأسعار، ويكتشف الجميع متأخرين أن الفوضى، لا إيران، كانت الاحتمال الأغلى.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :