اثر انسحاب اميركا من الناتو على اوروبا
خلدون ذيب النعيمي
21-04-2026 08:57 AM
"زلزالاً استراتيجياً لأوروبا" ، بهذه الكلمات القليلة والمعبرة اجاب المركز الاوروبي لمكافحة الارهاب والاستخبارات في برلين في تقريره الصادر في السابع من شهر نيسان الحالي حول ماذا سيحل بأوروبا اذا ما قرر الرئيس الامريكي ترامب الانسحاب من الناتو ، وهنا رغم اشارة التقرير ان القرار الامريكي لن يكون بالسهولة المتوقعة في ظل وجود قانون عام 2023 الذي يحظر على الدولة الطالبة بالانسحاب الحادي من الناتو الحصول على موافقة ثلثي اعضاء برلمانها فضلاً ان قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA 2024) الاتحادي الاميركي يؤكد ذلك ايضاً ، الا ان ترامب قد يطعن بهذه القوانين امام المحكمة العليا في مسعاه من خلال تأكيده ان المعاهدات الدولية حق حصري للرئيس فضلاً عن تاريخه المعهود في تجاهل قرارات الكونغرس ، وهنا سيرسل ترامب إشعارا رسميا لرئاسة الحلف بموجب المادة 13 من معاهدة شمال الأطلسي مما يمهد لفترة عام واحد للانسحاب الفعلي وخلال تلك الفترة ستظل الالتزامات الأميركية للحلف فاعلة وفقاً للمادة المذكورة .
ويشير التقرير ان اول النتائج ستتمثل في خسارة حلف الناتو 70% من قدراته العسكرية التقليدية والاستخباراتية بالأقمار الصناعية فضلاً عن الردع النووي والتفوق الجوي مما يجعل أوروبا عرضة لروسيا والصين وإيران مع احتمالية انهيار تماسك الحلف وقيام اعضاء آخرين بخطوات مماثلة للأمريكان ، وبالتالي ستتمدد هيمنة كل من موسكو في اوكرانيا ودول البلطيق كذلك بكين في المحيطين الهادي والهندي فضلاً عن ايران في الشرق الاوسط مع فقدان ما يزيد عن ربع تريليون دولار تدفعها واشنطن حصراً لميزانية الحلف سنوياً ، وبالتالي ستتضاعف نسبة الانفاق الدفاعي لدول القارة العجوز التي ستقفز من نسبة 2./. الى 6.4./. من ميزانيتها واثر ذلك على المواطن الاوروبي في حياته اليومية ومعاشاته التقاعدية فضلاً عن حاجتها لتجنيد 300 الف جندي اضافي لتعويص النقص الاميركي .
وفي ذلك سيتعزز دور فرنسا في الحلف كمظلة ردع وحيدة بقوتها النووية فضلاً عن تركيا والمانيا بقوتهما البشرية المساهمة في جنود الحلف ، ورغم ان الاتحاد الاوروبي سيسعى لأنشاء ناتو أوروبي جديد ستبرز نتائجه الفعالة بين 10-15 عام من انشاءه فان شبح الانقسام سيبقى قائم بوجود الاختلافات الداخلية ووجود دول اوروبية موالية بقوة لواشنطن مثل بولندا والمجر ، وفي ذلك كله لا يخفى ان الانسحاب الامريكي ان حصل سيغذي تصاعد احزاب اليمين والشعبويات الاوروبية القائمة اصلاً والموجهة للدول والقوميات الاخرى بالحلف وبالتالي سيعزز الأرق الدائم الذي يقض مضجع الناتو الاوروبي ومسيرته , وهنا قد يبرز هذا الناتو كقطب جديد .في منظومة تعدد الاقطاب العالمية التي تتبلور الى جانب واشنطن وموسكو وبكين .
رغم ان الانسحاب الاميركي المثار حاليا لم يكن الهزة الوحيدة التي تعرضها الناتو فقد تعرض سابقاً للقرار الفرنسي بتعليق المشاركة العسكرية في الحلف بعد قرار الرئيس شارل ديغول في شهر أيلول 1965م ، وهنا لا يخفى رغبة الرئيس ترامب الممتعض من الناتو لعدم دعمه في حربه الاخيرة على ايران فهو قد يستخدم التهديد بزيادة التعريفات الجمركية وسحب القواعد العسكرية من اوروبا كوسائل ضغط تحيد قرار الانسحاب او تسبقه ، وفي ذلك كله ستنضم الحرب الايرانية الاخيرة الى جانب ملفات اوكرانيا وجرينلاند وكندا كعامل عدم ثقة وتوتر مضاف الى العلاقات الاميركية الاوروبية وبالتالي تكريس تعدد اقطاب القوى العالمية كما تم ذكر ذلك في موقع سابق من هذا المقال .