المياه في الأردن: قضية سيادية وملف وطني مُلحّ
د. محمد حيدر محيلان
22-04-2026 12:51 PM
لا تكمن خطورة ملف المياه في الأردن في الندرة وحدها، بل في التناقض بين شدة الندرة وطريقة الاستخدام. فالدولة التي ينخفض فيها نصيب الفرد إلى ما دون 100 متر مكعب سنويًا، أي أقل بكثير من حد الفقر المائي العالمي، لا يمكنها أن تدير المورد بعقلية التدرج البطيء أو الحلول الجزئية. حيث تتحول المياه من خدمة إلى مسألة سيادة واستقرار.
في هذا الإطار، جاء حديث الملك عبدالله الثاني في 19 نيسان 2026 ليضع الملف في سياقه الحقيقي، حين شدد على الالتزام بالإطار الزمني لمشروع الناقل الوطني، وضمان الجاهزية الفنية، ودراسة الأبعاد المالية، ووضع خطط استباقية واضحة. هذا الطرح لا يضيف توصيفًا جديدًا بقدر ما يحدد معيارًا صارمًا: لم يعد مقبولًا أن تبقى الحلول مؤجلة أو التنفيذ بطيئًا.
غير أن جوهر المشكلة لا يقف عند نقص الموارد، بل يتجاوز ذلك إلى كيفية توزيعها. تشير تقديرات دولية ورسمية إلى أن نحو نصف المياه المتاحة في الأردن يذهب إلى الزراعة، مقابل نصف آخر تقريبًا للاستخدام البلدي. هذه المعادلة تفرض قراءة مباشرة: هل يعكس هذا التخصيص أعلى قيمة ممكنة للمياه في بلد يعاني من ندرة حادة؟ الواقع الحالي يشير إلى فجوة واضحة بين حجم الاستهلاك والعائد الاقتصادي، وهو ما يجعل إعادة هيكلة الاستخدام الزراعي ضرورة لا يمكن تأجيلها.
ليس المقصود تقليص الزراعة والعمل بها بقدر ما هو إعادة تعريفها. توجيه المياه نحو محاصيل أقل استهلاكًا وأكثر قيمة، واستثمارا ، وربط الدعم بالإنتاجية المائية، واعتماد تقنيات ري أكثر كفاءة، كلها خطوات تضع الزراعة في موقع أكثر انسجامًا مع الواقع المائي، بدل أن تبقى عبئًا عليه.
في المقابل، لا يقل ملف الفاقد المائي أهمية. حين تتحدث التقديرات عن فاقد يقارب 45% من المياه في الشبكات، فهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من المورد لا يصل أصلًا إلى المستهلك. هذه ليست مشكلة تقنية فقط، بل مؤشر على خلل إداري وتنفيذي. معالجة الفاقد يمكن أن توفر كميات كبيرة من المياه دون الحاجة إلى مصادر جديدة، لكنها تتطلب حسمًا وسرعة في التنفيذ، لا مجرد خطط على الاوراق .
أما المشاريع الاستراتيجية، وفي مقدمتها مشروع التحلية والنقل من العقبة، فهي خطوة ضرورية، إذ يُتوقع أن توفر نحو 300 مليون متر مكعب سنويًا. غير أن نجاح هذه المشاريع لا يقاس بحجمها فقط، بل بقدرتها على العمل ضمن منظومة أكثر كفاءة. إضافة مورد جديد إلى نظام يعاني من فاقد مرتفع وتوزيع غير متوازن يعني تقليل أثره قبل أن يصل إلى المستهلك.
من هنا، تصبح المعادلة واضحة: كل زيادة في العرض يجب أن يقابلها خفض في الفاقد وتحسين في التخصيص. التحلية وحدها لا تكفي، كما أن معالجة الفاقد وحدها لا تحل المشكلة، لكن الجمع بينهما، مع إعادة ترتيب أولويات الاستخدام، يمكن أن ينقل الملف من إدارة العجز إلى إدارة أكثر كفاءة وانجاز.
اهتمام الملك عبدالله الثاني بهذا الملف يعكس إدراكًا لطبيعته السيادية، ليس فقط من خلال الدفع نحو المشاريع الكبرى، بل عبر التأكيد على سرعة التنفيذ وكفاءة الإدارة. والتحدي الآن لا يكمن في وضوح الرؤية، بل في ترجمتها إلى نتائج ملموسة ضمن إطار زمني واضح ومحدد.
الأردن لا يحتاج إلى توصيف جديد لأزمة المياه، بل إلى قرارات أكثر صراحة في ثلاث نقاط: خفض الفاقد بوتيرة أسرع، إعادة توجيه الاستخدام الزراعي وفق معيار القيمة، وإنجاز المشاريع الاستراتيجية دون إبطاء. عندها فقط يصبح الأمن المائي واقعًا، لا مجرد عنوان يتكرر مع كل صيف.