facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




القيم في زمن التحولات: من الأردن إلى الفضاء العربي


م. سعيد المصري
22-04-2026 03:53 PM

* قراءة في تحديات المادية واستعادة الضمير

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتصاعد فيه النزعة المادية إلى حدٍّ غير مسبوق، لم يعد التحدي الحقيقي هو في امتلاك الوسائل، بل في الحفاظ على المعاني التي تمنح هذه الوسائل قيمتها الإنسانية. فالمجتمع الأردني، كما غيره من المجتمعات العربية، نشأ على منظومة أخلاقية راسخة قوامها الاحترام، والتكافل، والحياء، والصدق، والكرم، وهي قيم لم تكن شعارات تُقال، بل سلوكاً يُمارس في تفاصيل الحياة اليومية. غير أن هذه المنظومة باتت اليوم تتعرض لاختبار حقيقي، ليس بسبب رفضها، بل بسبب تراجع حضورها أمام ضغوط الحياة الحديثة، واتساع الفجوة بين ما نؤمن به وما نمارسه فعلياً.

وإذا نظرنا إلى المشهد اليومي بعين هادئة، سنجد أن التغير لم يحدث فجأة، بل جاء تدريجياً عبر تفاصيل صغيرة تراكمت مع الزمن. لم يعد الكبير في السن يحظى بذات المكانة التي كانت تُمنح له تلقائياً، ولا أصبحت المرأة الكبيرة أو الضعيفة تجد تلك العناية الفطرية في الطريق أو في الأماكن العامة كما كان الحال سابقاً. أما الأشخاص من ذوي الإعاقة، فحقوقهم التي كفلها القانون لا تزال في كثير من الأحيان تصطدم بسلوكيات غير واعية، تعكس فجوة بين النصوص القانونية والوعي الأخلاقي. هذه الصور لا تُطرح لإدانة المجتمع، بل لفتح باب مراجعة هادئة تحترم الناس وتراعي خصوصياتهم، وتؤكد أن ما يحدث هو انحراف عن الأصل لا تعبير عنه.

ويزداد هذا الخلل وضوحاً حين ننتقل إلى لغة الخطاب بين الناس. فاللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل مرآة تعكس مستوى الوعي والقيم. ما نشهده اليوم من انتشار للعبارات القاسية أو الساخرة، سواء في الشارع أو في بيئات العمل أو على منصات التواصل، ليس مجرد تغير لغوي، بل مؤشر على تراجع في ثقافة الاحترام المتبادل. ومع ذلك، يبقى من المهم التأكيد أن هذا التراجع لا يمثل جوهر المجتمع، بل يعكس ضغوطاً وسلوكيات طارئة يمكن معالجتها إذا توفرت الإرادة والوعي.

أما العلاقة بين المواطن والمؤسسة، فهي تمثل اختباراً يومياً لمنظومة القيم في بعدها العملي. فحين يشعر الإنسان بأن حقه يُعامل وكأنه منّة، أو أن الخدمة التي تُقدم له تفتقر إلى الحد الأدنى من الاحترام، فإن ذلك لا ينعكس فقط على رضاه، بل على ثقته بالمجتمع ككل. وفي المقابل، فإن أبسط مظاهر الاحترام في التعامل، من كلمة طيبة أو اهتمام حقيقي، قادرة على إعادة بناء هذه الثقة وتعزيزها، وترسيخ فكرة أن الكرامة الإنسانية ليست خياراً بل أساساً لأي علاقة صحية داخل المجتمع.

وعندما يتعلق الأمر بصورة الأردن ضمن محيطه العربي، وأمام ضيوفه من سياح ومستثمرين، تصبح القيم الأخلاقية جزءاً من الأمن الاقتصادي والاجتماعي. فالصورة التي يحملها الزائر لا تتشكل فقط من المواقع أو الفرص، بل من طريقة التعامل التي يلقاها، ومن إحساسه بالكرامة والاحترام. وهذا ينطبق على مختلف الدول العربية، حيث لم تعد المنافسة تقتصر على الموارد، بل أصبحت تمتد إلى جودة البيئة الاجتماعية والإنسانية التي تقدمها هذه المجتمعات.

الإشكالية الأخلاقية التي نواجهها اليوم لا تكمن في غياب القيم بحد ذاتها، بل في تراجع حضورها أمام منظومة ضاغطة تعيد تعريف النجاح والاعتبار الاجتماعي بمعايير مادية بحتة. فحين يُقاس الإنسان بما يملك لا بما يقدّم، وحين تصبح السرعة والربح مقدمة على التوازن والضمير، يبدأ الانزياح الأخلاقي بشكل تدريجي. وهنا تكمن حساسية الطرح، إذ لا يمكن اختزال المشكلة في ضعف أخلاقي فردي، بل يجب فهمها كتحول بنيوي في طريقة تفكير المجتمعات تحت ضغط الاقتصاد والإعلام وأنماط الحياة الحديثة.

ولفهم الأسباب بشكل أعمق، لا بد من النظر إلى مجموعة من العوامل المتداخلة التي ساهمت في هذا التراجع. فالضغوط الاقتصادية المتراكمة أضعفت قدرة الأفراد على الحفاظ على توازنهم النفسي والاجتماعي، كما أن تآكل الطبقة الوسطى أفقد المجتمعات أحد أهم ركائز الاستقرار القيمي. إلى جانب ذلك، ساهم انتشار نمط الحياة الاستهلاكي في إعادة تشكيل الأولويات، بحيث أصبح التركيز على المظهر يتقدم على الجوهر. كما أن انشغال الأسرة، وتراجع دور المدرسة في التربية القيمية، وابتعاد بعض الخطابات التربوية والدينية عن الواقع العملي، كلها عوامل أسهمت في إضعاف البناء الأخلاقي العام في الأردن وفي محيطه العربي.

ومن العوامل المهمة أيضاً غياب النماذج الملهمة في مواقع التأثير. فالمجتمعات لا تتعلم القيم من النصوص فقط، بل من الأشخاص الذين يجسدون هذه القيم في سلوكهم اليومي. وعندما تغيب هذه النماذج أو يتم تهميشها إعلامياً، يبحث الناس عن بدائل قد لا تحمل نفس العمق الأخلاقي، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج سلوكيات سطحية تفتقر إلى البعد القيمي الحقيقي.

ورغم هذا المشهد المركّب، فإن استعادة القيم لا تحتاج إلى تنظير معقد بقدر ما تحتاج إلى إعادة تفعيل البساطة في السلوك. فالقيم تبدأ من تفاصيل صغيرة: احترام الدور، إفساح الطريق، خفض الصوت، استخدام الكلمة الطيبة، والالتزام بأخلاقيات العمل. كما أن تعزيز العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص يسهمان في إعادة التوازن، لأن الإنسان عندما يشعر بالأمان يكون أكثر قدرة على الالتزام بالقيم، وأقل اندفاعاً نحو السلوكيات السلبية.

إن استعادة الضمير الجمعي ليست مهمة جهة واحدة، بل مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتتعمق في المدرسة، وتترسخ في المؤسسات، وتنعكس في الشارع. وهي عملية تراكمية تحتاج إلى وقت، لكنها ممكنة إذا ما توفرت إرادة مجتمعية واعية تدرك أن القيم ليست ترفاً، بل شرطاً أساسياً للاستقرار والتقدم.

في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن القيم لا تختفي، بل تُهمَل، وإذا ما أُعيد الاهتمام بها، تعود للظهور بقوة. والمجتمعات العربية، بما تحمله من إرث أخلاقي عميق، قادرة على استعادة هذا التوازن، ليس بالعودة إلى الماضي، بل ببناء حاضر يحافظ على القيم ويواكب التحولات، ويعيد للإنسان مكانته كقيمة عليا في أي مشروع تنموي أو حضاري.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :